قِراءَةٌ جيوسياسيَّة لِتَهْديداتِ الأمْنِ الوَطَنِي السُوري
د. عامر الدليمي
المقدمة
يتعلق المفهوم الجيوسياسي بتحليل تأثير قوة العامل الجغرافي للدولة في العلاقات والسياسة الدولية، والعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أوقات السلم والحرب. كما ان هناك تداخل بين تأثير السياسة الدولية على الموقع الجغرافي للدولة ضمن هذا المفهوم. ولهذا تتمتع سوريا بموقع مهم من الناحية الجغرافية والسياسية، إذ أنها ملتقى لثلاث قارات وثقافات عديدة وكانت وما زالت عاملاً مهماً وحيوياً في السياسة الاقليمية وخاصة في مجال الصراع العربي الصهيوني. إضافة الى أهميتها الاقتصادية والسياسية طوال تاريخها لمركزها الجغرافي وتاريخها الحضاري. وسوف نتناول فيما يلي بعض الجوانب ذات العلاقة بالمفهوم الجيوسياسي والامن الوطني في سوريا في ظل المتغيرات الاخيرة.
اولا : أهمية الموقع الجغرافي للجمهورية العربية السورية
لسوريا موقع مهم غرب قارة آسيا وتطل على البحر الابيض المتوسط بساحل طويل يمتد غربا ليواجه جنوب قارة أوروبا، ودول عدة تكونه كقبرص واليونان وايطاليا وفرنسا واسبانيا. كما وتواجه من شمال قارة افريقيا على البحر مصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا. ويحد سوريا من الشمال الجمهورية التركية التي يحكمها الان حزب العدالة والتنمية. ويحد سوريا من الجنوب الاردن، وفيه تعمل وتنشط عدة احزاب ذات توجهات متنوعة منها وطنية وقومية واسلامية . وقد شكى الاردن في فترة حكم بشار الاسد وميليشياته الطائفية من تدخلات عبر الحدود ولاسيما في مجال تهريب المخدرات الى الاردن.
في حدود سوريا الشرقية يقع العراق الذي تحكمه الاحزاب والمنظمات والمليشيات الولائية التابعة للنظام الايراني المعادي للعراق ولسوريا ولكل الامة العربية، عبر مشروعه الاستعماري المعلن الذي يحلم من خلاله ويعمل بكل الطرق والأساليب لإحياء الامبراطورية الفارسية بضم العراق وسوريا وغيرهما من الاقطار العربية لتلك الامبراطورية.
ومن الغرب يحد سوريا لبنان الذي تمارس فيه العمل عدة أحزاب سياسية لها أجندات متنوعة. وكان لبنان يعاني من تسلط حزب الله اللبناني المرتبط بالسياسة الايرانية وأطماعها التوسعية في الوطن العربي. ومازال لبنان يعاني من وجود عناصر حزب الله المسلحة المدعوم من ايران في محاولة لإرجاع هيمنته خدمة لإيران . ومن جهة اخرى وفي نفس الوقت، مازالت فرنسا لها أطماع سياسية وتسعى جاهدة للحصول على موقع مؤثر للنفوذ فيه .
أما المجاور لسوريا من الجنوب والمحاذي لمحافظة درعا والقنيطرة فهي فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني وبالتأكيد فانه من أشد أعداء سوريا العربية المتحررة وللعرب والعروبة جمعاء . لذلك نشاهد انه مازال الوضع الأمني السوري الداخلي معرض الى التهديدات الصهيونية وعملياته العسكرية العدوانية ، في الوقت الذي لم يكن يفعل ذلك في فترة حكم نظام الاسد !!، وكما هو معروف للجميع فان للكيان الصهيوني أطماع توسعية ليس في سوريا فقط وإنما في لبنان وغيرها من الاقطار العربية ، والتي يعبر عنها شعاره المعروف (من الفرات الى النيل) ، كما وتمتد اطماعه الى اجزاء من المملكة العربية السعودية والاردن والعراق .
ثانيا : التركيبة السكانية للمجتمع السوري
تتشكل التركيبة السكانية في سوريا ، شأنها شأن معظم دول العالم، من اغلبية كبرى مع وجود بعض الاقليات. فسوريا تتشكل من اغلبية عربية مسلمة مع وجود اقليات من أديان وطوائف وقوميات، ابرزها طائفة الدروز و الاكراد والطائفة العلوية والاسماعيلية والاثنى عشرية العربية و المسيحيون واغلبهم من الارثوذوكس والسريان.
ثالثا : تهديدات الوضع الأمني الداخلي والخارجي
هناك عدة تهديدات للأمن الوطني السوري في الوقت الراهن من جهات ونواحي عدة داخلية وخارجية ، منها محاولات اثارة نزعات قومية انفصالية، ومنها طائفية مذهبية ، إضافة الى تهديدات الكيان الصهيوني الذي يعمل ويسعى الى إضعاف النظام السياسي السوري الجديد عسكرياً وأمنياُ ، لشعوره بأن التطلعات العروبية للنظام الجديد في سوريا تشكل خطراً فعلياً عليه ، ومن هذه التهديدات الراهنة للأمن السوري هي :
١ – التهديد الإيراني المستمر لأمن سوريا
بعد سقوط نظام عائلة الأسد الموالي لإيران ، تأكد لدى النظام الايراني بأنه فقد قاعدة مهمة جداً كان يعول عليها لتنفيذ مشروعه الامبراطوري التوسعي ووصوله الى البحر الابيض المتوسط بما فيه لبنان ، ولذلك يحاول النظام الايراني ومن اجل ادامة مشروعه في الوطن العربي العزف على الوتر الطائفي ودعم مليشيات نظام الأسد في سوريا ومن المحسوبين على ايران لإيجاد نوع من حالة اضطراب أمني داخلي وزعزعة استقرار سوريا. وقد بوشر بذلك إذ أعلنت قيادات من النظام الايراني من خلال عدة وسائل إعلامية عن معاداتها للنظام السوري الجديد ولعدة مرات ، معللة ذلك بأسباب قومية ومذهبية ، لذلك سيسعى النظام الايراني لإيجاد تحالفات سياسية داخل سوريا وخارجها في محاولة لإسقاط النظام السوري وذلك لتنفيذ مشروعه المعادي للامة العربية.
٢- التهديد الميليشياوي العراقي لأمن سوريا
لاشك بأن النظام في العراق تحكمه مليشيات ولائية مرتبطة بصورة مطلقة بإيران كأداة لإبقاء العراق تحت نفوذها، ومن جهة اخرى للتأثير على الامن الوطني العربي والسوري جزء اساسي منه. مستغلة مجاورة العراق الى سوريا جغرافيا، وبالتالي استخدامها للحدود لتسلل الفصائل الولائية للقيام بعمليات تخريبية داخل سوريا وإثارة نوع من حالة عدم الاستقرار داخلها. وكل ذلك لإشغالها عن ترتيب أوضاعها الداخلية نحو إجراء نهضة قومية تنموية في كافة نواحي الحياة فيها ، لشعور النظام الايراني بأن تحرير سوريا هو مقدمة لإضعافه فعلياً وإفشال مشروعه التوسعي الفارسي في الوطن العربي .
٣- تهديد حزب الله اللبناني لأمن سوريا
لقد أضعفت التطورات الاخيرة حزب الله اللبناني الى درجة كبيرة وجعلته يفقد تأثيره ودوره السياسي والعسكري الكبير في لبنان وسوريا والذي كان يحمي نظام الاسد قبل سقوطه، لذلك سيحاول الحزب وبدعم من ايران عسكرياً وسياسياً ومادياً لإعادة وجوده ليس في لبنان فقط وإنما في سوريا أيضا، للتعويض عن فقد حليف إستراتيجي كنظام الاسد من كافة النواحي .
ومن هنا فمن المتوقع ان الحزب لن ينفك عن الاستمرار في تنشيط عناصره وخلاياه السرية و العمل على القيام بعمليات تخريبية داخل سوريا ، أوالقيام بنشاط سياسي مع جهة او منظمة معادية للنظام الجديد وتخريب او اعاقة سياسته وتوجهاته العربية، أو على الأقل جعل الوضع الأمني الداخلي لسوريا غير مستقر، لإضعاف دورها في الوطن العربي سياسياً وعربياً.
٤- محاولة استغلال ألأقليات العرقية
تشكل الاقليات العرقية يتقدمها الاخوة الاكراد نسبة معينة من نسيج المجتمع السوري، ويتمركزون في شمال شرق سوريا. وقد عقدت الحكومة الجديدة اتفاقاً استراتيجياً مهما مع قوات سوريا الديمقراطية ( قسد) التي تتواجد في هذه المنطقة وهي تنظيمات وتشكيلات عسكرية مسلحة . ان ذلك يتطلب تطوير الموقف باتجاه وضع حل مجتمعي وسياسي وأمني وإنساني شامل للمنطقة لكي تستمر سوريا في المحافظة على وحدتها وأمنها وسيطرتها أرضاً وسماًء وبحراً والمضي قدماً للنهوض بدورها العربي المأمول.
٥- التهديد المليشياوي الطائفي
لاشك ان فقدان القوى التي شكلت البنية التحتية التي استند عليها نظام الاسد لوضعها وتسلطها السياسي والاقتصادي قد وضعها في حالة من الضعف.
ولا شك في أنها ستحاول استرجاع نفوذها الذي فقدته . إن تلك القوى قد وجدت ضالتها في النظام الايراني المتحالف مع نظام الاسد كما ان ايران وجدت ضالتها في تلك القوى منذ عقود. ورغم فشل التمرد الاخير في مناطق الساحل السوري في اللاذقية وطرطوس ضد النظام الجديد ، الا انه يجب عدم اغفال هذه الحالة التي قد تستمر سواء في العمل المعلن أو السري للانتقام من النظام الجديد في سوريا ،،الأمر الذي يتطلب الحذر المستمر والمعالجات المجتمعية والسياسية لضمان استقرار ووحدة سوريا ارضاً وشعباً .
٦- التهديد الإسرائيلي الصهيوني
يسعى الكيان الصهيوني المحتل إلى تنفيذ مشروع توسعي لاحتلال أراضي عربية أخرى لتحقيق ما يعرف ” بإسرائيل الكبرى” . و النظام هذا قد شعر جيدا بأن إقامة حكم وطني عروبي في سوريا سيكون من ألد أعدائه ، لذا سيسعى دائما الى إضعافه عسكرياً وسياسياً . فقد سبق وان إستغل الظرف ونفذ عمليات عسكرية ضد قواعد الطيران الحربي السوري والمعسكرات والمنشآت لأجل إخراجها من الخدمة وتفويت الفرصة على النظام الجديد في سوريا من إستخدامها لحماية البلاد او ضد المشروع التوسعي الصهيوني. وإستغل الفرصة أيضا بالزحف عسكرياً نحو القنيطرة وجبل الشيخ وإحتلالهما ، لمعرفته أهميتهما الجغرافية. كما سيكون العدو الصهيوني دائماً عنصراً مستفزاً لسوريا وجعلها في حالة عدم تمكن من إسترجاع أراضيها المحتلة. وليس أدل على ذلك ما صرح به رئيس وزراء العدو الصهيوني (نتنياهو) بإعلان استعداده للتدخل عسكريا في حوادث (جرمانه) الاخيرة الى جانب الطائفة الدرزية التي استنكرت وشجبت ما أعلنه.
٧- التواجد الروسي العسكري في قاعدة حميميم
لروسيا مصالح حيوية عسكرية في هذه القاعدة وكانت وما زالت تطمح بالبقاء فيها لموقعها الاستراتيجي على البحر الابيض المتوسط . ومن المعروف انها سبق وان إشتركت مع قوات الأسد في هجوم عسكري على الشعب السوري بالطائرات الحربية وغيرها لقتل المدنيين والعسكرين. ولا يستبعد من بقاء علاقتها مع عناصر النظام المخلوع . وحتى اثناء التمرد الأخير الفاشل لجأ عدد من المتمردين الى القاعدة بهدف حمايتهم. لذلك فانه من المناسب اخذ كل ذلك في نظر الاعتبار للحيلولة دون استخدام القاعدة لتهديد الامن الوطني السوري.
رابعا : ما يتطلبه الوضع اجتماعياً من القيادة السورية الجديدة
أ- الابتعاد عن التمذهب الديني أو الطائفي، وتقليل المظاهر الدينية الشخصية والاجتماعية للقيادة وخاصة في وسائل الاعلام السوري، ومنع كافة الممارسات التي توحي بالتعصب ، و خاصة تلك التي من المحتمل أن تكون لها ردود فعل سلبية من أطراف ما ضد النظام الجديد بما يؤثر على أمن سوريا ونزعتها الوطنية والقومية.
ب- التأكيد على تفعيل العمل الديمقراطي وحرية الرأي العام والحريات الشخصية والاجتماعية ، لرفع الظلم عن الشعب السوري الذي عانى من تسلط حقبة نظام حكم الاسد الدكتاتوري، وكبحه للحريات ومصادرة حقوق المواطن وإهانة كرامته الانسانية، وتسخير وسائل الاعلام لتمجيده، مما جعل الشعب السوري في حالة نفور نفسي وتلقائي وعدم الرضا عنه. ولهذا من المناسب أن يستفيد النظام الجديد من أخطاء وسائل اعلام النظام البائد، وان يسمح للشعب السوري بممارسة الحرية من اوسع ابوابها ، لبناء سوريا الجديدة ومجتمعها الموحد بناءً سليماً. والابتعاد عن عبادة الاشخاص ، وسياسة الإعلام الفاقد للمصداقية في معالجة الاحداث والازمات، والسماح للشعب بالاطلاع على حقائق الامور ومعالجتها معالجة حقيقية تعزز من ثقته بالقيادة الجديدة.
ت- إحترام الاقليات من الأديان والأعراق والطوائف
ان الاقليات هي امر موجود في اغلب دول وشعوب العالم ومنها سوريا. ولا يكاد ان يخلو منها بلد الا ما ندر. وهي جزء اساسي من الشعب والوطن لذا يتوجب احترامها وتجسيد ذلك فعليا ، وعدم التدخل في شؤونها الاعتقادية بما يتسبب في نفورها، وعدم التقليل من شأنها لانها جزء اساسي من المجتمع السوري، ولها حقوق إنسانية مستمدة من امتلاكها الى تاريخ وثقافة هي جزء من تاريخ سوريا وكينونتها عبر التاريخ . ولان وحدة سوريا ارضاً وشعباً ستكون مستهدَفة ، لذا وفي اطار اسقاط تلك المحاولات وافشالها فانه من الضروري العمل على عدم إستبعاد تلك الاقليات ودمجها بالمجتمع دون تهميشها او التقليل من احترام معتقداتها ومشاعرها. إذ أن عدم احترامها سوف يسمح لجهات خارجية أن تستخدم بعض افرادها و تدفعهم للعمل ضد سوريا تحت غطاء حرية المعتقد والدفاع عن حقوق الانسان.
خامسا: ما يتطلبه الوضع سياسياً وأمنياً من القيادة الجديدة
أ- بناء جيش وطني سوري موحد ومتطور في جميع صنوفه قادر على المحافظة على أمن سوريا ضد الاعتداءات التي تريد ان تنال منها .
ب- النهوض بالإصلاح الاقتصادي من اجل رفع مستوى المعيشة وتحقيق النهضة بكافة اشكالها العمرانية والحضرية وغيرها لكل المجتمع بعدما كان يتحكم به عدد محدود من المحسوبين على النظام السابق ، لكي يلمس المواطن السوري جدية اهتمام النظام الجديد به وبالشعب السوري ومصالحه الحقيقية .
ت- السعي الحثيث لبناء علاقات دبلوماسية دولية فاعلة مع الدول التي تريد لسوريا التقدم والعيش باستقرار كدولة ذات سيادة تحترم الاتفاقيات والمعاهدات، وعضو فاعل في السياسة الدولية، وهيئة الامم المتحدة .
ث- على الاقطار العربية وعبر الجامعة العربية اعطاء اولوية لدعم سوريا اقتصادياً وعسكرياً وسياسيًاً كونها عضواً اساسياً فيها، ومساعدتها على معالجة مشاكلها بشكل عملي وفاعل، وليس على مستوى الاعلام فقط ، لتكون جزءاً حيوياً في امتها العربية ، ودولة فاعلة في محيطها العربي والدولي .