في ذكرى النكبة الاستيطان الحالي هو استمرار قرنين من الحرب الغربية الصهيونية لتهويد فلسطين العربية (الجزء الثاني)

في ذكرى النكبة

الاستيطان الحالي هو استمرار

قرنين من الحرب الغربية الصهيونية

لتهويد فلسطين العربية

(الجزء الثاني)

اعداد/ يحيى محمد سيف – اليمن

 في ذكرى النكبة ومع مواصلة شعبنا العربي في فلسطين مواجهة الاحتلال الصهيوني والتصدي لأبشع جرائمه في القتل المتعمد وليس آخرها استشهاد الإعلامية شيرين أبو عاقلة، واستمرار الاستيطان وتهويد القدس الشريف، فلابد من تنوير الاجيال بالجذور التاريخية لكل ذلك، لاستيعاب حجم وابعاد المشروع الصهيوني في فلسطين والوطن العربي، وبالتالي التهيؤ لإدامة التصدي له كما تتطلبه سعته وشموليته.

ذكرنا في الجزء الأول بإيجاز عن أبرز الأدوار لتهويد فلسطين والقدس التي لعبتها الدول الاستعمارية وبعض الجهات كل على حدة، وفيما يلي الجزء الثاني للموضوع.

رابعاً: الجمعيات اليهودية المدعومة بريطانياً

استخدم اليهود الجمعيات الخيرية كطريق للوصول إلى فلسطين ولذلك، تأسست (جمعية الاستعمار اليهودية) عام 1891م على أنها جميعه خيرية هدفها مساعدة وتطوير عملية هجرة اليهود الفقراء والمحتاجين من أي مكان في أوروبا وأسيا وأي مكان آخر في العالم.

ومن الجدير بالذكر أن عدد اليهود في فلسطين في ذلك الوقت كان محدوداً جداً ولا يتعدى بضعة ألاف إلا أن عددهم اخذ بالزيادة بسبب الهجرة التي كانت ترعاها الجمعيات (الخيرية) ورجال المال اليهود، والمشروعات البريطانية الداعية إلى استعمار فلسطين بواسطة اليهود مثل مشروع اللورد باشلي عام 1854م ومشروع القنصل البريطاني في القدس عام 1857م ومشروع جين هنري دونانت عام 1879م حيث أيده في ذلك السير لورانس أوليفانت (7).

خامساً: الحركة الصهيونية

اتجه الصهاينة بأطماعهم إلى فلسطين منذ زمن بعيد وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تأسست الحركة الصهيونية العالمية بزعامة هيرتزل – الذي دعا إلى اجتماع زعماء الديانة اليهودية في مدينة بازل في سويسرا عام 1897م والذي أنبثق عنه ” بروتوكولات حكماء صهيون” والتي تعتبر نقطة تحول في توجهات الحركة الصهيونية المدعومة بريطانيا، واتخذت شكل حركة سياسية تهدف إلى تهجير اليهود إلى فلسطين حيث يؤسسون دولة يهودية، وعرضوا على الدول الأوروبية الكبرى أن تساعدهم في تحقيق أطماعهم.. وقبل ذلك بعام أي عام 1896م زار هيرتزل القسطنطينية وعرض على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني شراء فلسطين ليقيموا بها مستعمرات لهم بمليونين من الجنيهات بالإضافة إلى ثمانية عشر مليوناً لإنقاذ الدولة العثمانية من ديونها الا أن السلطان عبد الحميد رفض عرضه.

سادساً: لجنة الاستعمار

 في عام 1907م قام   رئيس وزراء بريطانيا السير هنري كامبل بنرمان بتشكيل ما أطلق عليه اسم (لجنة الاستعمار) من أجل المحافظة على الهيمنة البريطانية على العالم وضمت نخبة من أساتذة الجامعات، وأعلام السياسية في الدول الغربية مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا والبرتغال وإيطاليا واسبانيا وبريطانيا وجاء في تقرير لجنة الاستعمار عن الوطن العربي ما يأتي:

“إن الخطر يكمن في هذه المنطقة بالذات، وبصورة خاصة في تحررها وتثقيف شعوبها وتطويرها وتوحيد اتجاهاتها، لذلك فعلى الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخرها، وتجزئتها، وإبقاء شعوبها مفككة جاهلة متناحرة. وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري والروحي والتاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها بعضها عن بعض. وكوسيلة أساسية مستعجلة لدرء الخطر توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الأسيوي، وتقترح لذلك حاجز بشري قوي وغريب، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة”.

إن هذه التوصية والمقترح يكشف بوضوح تام الهدف الحقيقي، الأساسي للسياسات الغربية في انشاء الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، فالغرب يقف رسمياً وبقوة ضد الوحدة العربية وضد التقدم العلمي – التكنولوجي العربي، وأنها، أي التوصية قد تحولت إلى استراتيجية ثابتة في سياسات الغرب تجاه العرب، وقد نفذت بحذافيرها.  فبعد عشر سنوات من قرار لجنة الاستعمار تم تنفيذ مؤامرة تقسيم الوطن العربي التي عُرفت باسم مشروع ” سايكس بيكو “الصهيونية.

سابعاً: وعد بلفور الدوافع والأسباب

ومن أجل إيجاد حاجز بشري معادي للعرب وصديق للغرب يمنع وحدة العرب ويعيق تقدمهم ونهوضهم اتخذت الحكومة البريطانية أولى الخطوات العملية الرسمية في سياق تنفيذ تقرير لجنة الاستعمار، وتهويد فلسطين بإصدار وعد بلفور المشؤوم في 2/11/1917م. وقد تمثلت أبرز العوامل والأهداف التي دفعت بريطانيا إلى إصداره بالإضافة إلى ما سلف ذكره ما يلي:

1-       استمالة العناصر اليهودية في ألمانيا، والنمسا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان لهذه العناصر نفوذ كبير في الدوائر السياسية، والمالية، والصحافية، والحصول على تأييدها لبريطانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى.

2-       وإذ كان العامل الأول هو عامل سياسي فأن العامل الثاني يندرج في إطار المصالح الانجليزية البحتة. ففي مقابل هذا الوعد يؤيد اليهود احتلال بريطانيا لفلسطين تمهيداً لإنشاء الوطن “القومي لليهود”، وبذلك تكون فلسطين درعاً يحمى مركز بريطانيا في مصر وقناة السويس، وتستطيع بريطانيا بذلك التخلص من النص الذي ورد في اتفاق (سايكس بيكو) بشأن جعل فلسطين منطقة دولية، فتصبح بذلك منطقة احتلال بريطاني تمهيداً لإنشاء الوطن “القومي لليهود”، وذلك تنفيذاً لقرار لجنة الاستعمار، ليكون الكيان الصهيوني هو الحاجز البشري المعادي، الذي يمنع وحدة العرب وتقدمهم.

وعلى أساس هذا الوعد أو التصريح وعدت إنجلترا الصهاينة بتحقيق أمانيهم في بناء ذلك ” الوطن ” المزعوم في فلسطين وجاء نصه على النحو التالي:

نص القرار:

عزيزي اللورد روتشلد: أعبر لكم عن بالغ سروري إذ أنقل إليكم باسم حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي بالعطف على الأماني اليهودية الصهيونية والتصريح الذي عرض على مجلس الوزراء ونال موافقته.

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن” قومي لليهودي” في فلسطين وستبذل أقصى مساعيها في تحقيق هذا الهدف على أن يكون مفهوماً أن شيئاً لن يعمل قد يكون من شأنه المساس بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف الحالية غير اليهودية في فلسطين ولا بالحقوق ولا بالوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد أخر. وأكون ممتناً أن أحطتم المنظمات (الصهيونية) علماً بهذا التصريح.

المخلص: آرثر جيمس بلفور

وقد أثار تصريح بلفور حيرة وجزعاً في البلاد العربية، إذ جاء عدواناً على حق وحرية العرب في فلسطين وإعلاناً عن نوايا الاستعمار في تسليم أرضها للصهاينة، كما جاء مناقضاً للعهود التي قطعها الإنجليز للحسين بن علي، وأمام شدة الاحتجاجات العاصفة التي عمت أقطار الوطن العربي إزاء هذه الجريمة اضطرت السلطات البريطانية، إلى بذل الجهود الملتوية الماكرة لتغطية نواياها. ولتبديد مخاوف العرب والحيلولة دون توقف مساعدتهم للحلفاء، أكدت بريطانيا للحسين بأنه لن يسمح بإسكان اليهود في فلسطين إلا بالقدر الذي يتفق مع مصالح السكان العرب السياسية والاقتصادية وأقنع الحسين نفسه مرة أخرى بذلك ومضى في تأييد بريطانيا إلى النهاية (8).

الانتداب وتكشف النوايا

وبعد أن احتلت بريطانيا فلسطين عام 1921م تحت ما يسمى بالانتداب – سرعان ما انكشفت النقاب عن نواياها في تهويد فلسطين من خلال قيام الحكومة البريطانية بتضمين (وعد بلفور) بصك الانتداب، ليصبح وثيقة دولية، وتصبح بريطانيا بناء على ذلك مسؤولة عن تنفيذه لإنشاء وطن لليهود في فلسطين. وفي ذلك الوقت قامت إدارة الانتداب بتنفيذ سياسة موالية لليهود، فعين الصهيوني (هربرت صمويل) مندوباً سامياً بريطانياً – وكان من عناصر المخابرات البريطانية المهمة وصهيونياً متعصباً – وأصبح الوضع ملائماً للنشاط الصهيوني في ظل تلك الإدارة الانجليزية ومندوبها السامي الصهيوني. وكان ذلك النشاط يهدف بالأساس لجعل اليهود أكثرية في فلسطين تمهيداً لوضع يدهم عليها·

وظهرت في ذلك الوقت استراتيجيتان أساسيتان:

 الأولى: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على أوسع نطاق·

الثانية: نقل الأراضي من العرب إلى اليهود وتشييد المستوطنات الصهيونية. 

لذلك كان الانتداب البريطاني على فلسطين أداة تحقيق وعد بلفور الشهير، بالتمهيد والسعي وفتح الأبواب أمام إمكانيات إقامة وطن “قومي” لليهود في فلسطين عبر عمليات تشريد الشعب العربي الفلسطيني من أرض آبائه وأجداده.

ولقد استفاد الصهاينة من هذا الوضع في تدعيم إدارتهم الاستيطانية وادواتهم الارهابية كأدوات تقوم بتشجيع وتنفيذ عمليات الهجرة اليهودية، وبناء المستوطنات الصهيونية، ونزع الأراضي وإرهاب العرب وقتلهم وطردهم وكنتيجة حتمية لهذا الوضع نشأت حالات توتر وصدامات، واندلعت الثورات العربية في فلسطين ·

وعندما أعلنت بريطانيا فشلها في تنفيذ صك الانتداب والوصول بالبلاد إلى الاستقلال قامت بإحالة القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة، وكان العرب في فلسطين وخارجها في حالة يرثى لها من عدم التوحُّد والفوضى والخلافات وعدم الاستعداد، رغم جميع التصريحات التي كان الزعماء يطلقونها بعكس ذلك، وما أشبه اليوم بالأمس (9).

قرار تقسيم فلسطين 

في 14 مايو انتهت بريطانيا انتدابها على فلسطين، واتخذت الأمم المتحدة قرار بتقسيم فلسطين وأعلنت الوكالة اليهودية إقامة الكيان الصهيوني وكان ذلك انعطافا اساسياً في تطور الصراع العربي الصهيوني·

ثامناً: التحالف الأمريكي الصهيوني

تطورت هذه المؤامرةُ التهويدية بشكل أساسي منذ صدور وعد بلفور البريطاني إلى روتشيلد في 2/11/1917م حيث تشكل تحالف استعماري صهيوني تأكد في 17 -5- 1939م، قبل قيام الحرب العالمية الثانية، بصدور (الكتاب الأبيض) الذي أُعلنت فيه بريطانيا دولة وصاية.  وقد أوفت بريطانيا بالتزامها الخاص بتشجيع إقامة وطن قومي للصهاينة. ثم تعزز هذا التحالف بإعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن دولة الكيان الصهيوني قامت فيما أسماه (الشرق الأوسط). وكان الهدف الحقيقي هو لكي تتصدى لتيار الشعور والمبادئ الوطنية والقومية العميقة في الوطن العربي، فإذا لم تستطيع أن تحقق ذلك فلا اقل من أن تجتذب الوطن العربي بعيداً بهدف تامين مصالح البترول الأمريكية هناك.

وتجسد ذلك في 15-5-1948م عندما اعترفت الولايات المتحدة كأول دولة بقيام الكيان الصهيوني، ويكفي أن نتبين جيداً المعاني التي تضمنها تصريح الرئيس الأمريكي حتى ندرك الأهداف الحقيقية لمواجهة الفاشية الجديدة التي كان لابد أن تترك بدورها انعكاسات قوية على حركة التحرر العربي كما يقول الدكتور الياس فرح (10).

وفضلاً عن مشاريع التجزئة الاستعمارية للوطن العربي ومعاداة وحدته وتقدمه ونهضته، فإن الصهيونية وكيانها في فلسطين قد تبنيا مخططات خاصة بهما ليس فقط للمحافظة على واقع التقسيم والتخلف في الوطن العربي ومنع تغييره نحو الأفضل، بل لزيادة وتعميق واقع التجزئة العربية من خلال افتعال او إثارة أزمات وصراعات طائفية- عنصرية- داخل أقطار الوطن العربي، او بين الأقطار العربية لكي يستطيع الكيان الصهيوني تنفيذ برامجه التوسعية على حساب العرب وأرضهم وثرواتهم·

وهكذا يتضح أن الصهيونية والاستعمار الغربي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، قد تبنوا مواقفاً أساسية معادية ثابتة تجاه العرب، تقوم على إبقاء التجزئة، والتخلف، ومنع الوحدة العربية والتقدم والرفاه، بطرق مختلفة تتحدد حسب الظروف، إلا أن أبرزها هو محاربة تجارب النهوض والقضاء عليها، وإثارة الصراعات الطائفية والعنصرية والسياسية بين العرب، وافتعال الأزمات بين العرب والعالم من حولهم، بهدف تكريس واقع الضعف والتشتت والعزلة وبما يهدد وجود الأمة ومستقبل أجيالها في الصميم.

– انتهى –

 

المصادر: 

1-       القدس في ذاكرة التاريخ -مجلة متابعات فلسطينية العدد (39) 6-يونيو 1999م

2-       أبو غسان -المسجد الاقصى والصخرة المشرفة، والقدس الشريف -مجلة البراق صفحة 16-العدد العاشر، يوليو 2000م

3-       أبو غسان المصدر السابق

4-       ذيبان عبد الكريم ملف القدس ومسلسل التهويد، متابعات فلسطينية -صفحة 4- العدد (52) فبراير 2009م

5-       طلعت الغصين -كتاب-خمس جنسيات والوطن واحد صفحة 20

6-       احمد اللحيدان -، المؤامرة من فلسطين الى العراق ،1-2-مجلة السياسية الصادرة عن وكالة سباء اليمنية للأنباء -في 7-مايو 2003م نقلا عن صحيفة الرياض السعودية

7-       احمد اللحيدان المصدر السابق

8-       د احمد عزت عبد الكريم- د ابو الفتوح رضوان-د عبد الحميد -كتاب تاريخ العرب الحديث والمعاصر -الصادر عن وزارة التربية والتعليم جمهورية مصر العربية

9-       طلعت الغصين المصدر السابق

10-     الدكتور الياس فرح -الوطن العربي والفاشية الجديدة -صفحة 24-دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، طبعة اولى 1975م

مشاركة المحتوى
Author: