في ذكرى النكبة الاستيطان الحالي هو استمرار قرنين من الحرب الغربية الصهيونية لتهويد فلسطين العربية (الجزء الاول)

في ذكرى النكبة

الاستيطان الحالي هو استمرار

قرنين من الحرب الغربية الصهيونية

لتهويد فلسطين العربية

       (الجزء الاول)

إعداد / يحي محمد سيف -اليمن

 

تمهيد:

في ذكرى النكبة ومع مواصلة شعبنا العربي في فلسطين مواجهة الاحتلال الصهيوني والتصدي لأبشع جرائمه في القتل المتعمد وليس آخرها استشهاد الاعلامية شيرين ابو عاقلة،  واستمرار الاستيطان وتهويد القدس الشريف ، فلابد من تنوير الاجيال بالجذور التاريخية لكل ذلك، لاستيعاب حجم وابعاد المشروع الصهيوني في فلسطين والوطن العربي، وبالتالي التهيؤ لإدامة التصدي له كما تتطلبه سعته وشموليته.

وبداية فإن الدفاع عن فلسطين والتصدي لمؤامرات الاستيطان فيها والجهاد لتحريرها هو ليس لكونها مجرد تراب أو شجر، ولكنها عقيدة في القلوب وإيمان في النفوس، وذلك لان قضية فلسطين  لا تشبهها قضية في العالم (  فهي الأرض المباركة، وهي ارض الملاحم في التاريخ ، هي إشراقة النبوة الممتدة في الزمن، وعبق الجهاد الفواح، ونور الوحي الممتد من مكة والمدينة، ليشع في الأرض كلها،  دعوة، وبلاغاً وقرآناً. انها ارض العروبة والاسلام والايمان وستظل فلسطين ارض العروبة والايمان والجهاد، أرض مباركة، تبسط ملائكة الرحمن اجنحتها عليها، ويغمرها نور اليقين – ويفوح منها عبق الدماء الزكية (1).

ولهذه الاعتبارات وللاعتبارات الاخرى اصبحت فلسطين بصفة عامة  والقدس والاقصى المبارك تحتل مكانة عظيمة لدى العرب مسلمين ومسيحيين ولدى كل قوى المؤمنين بالله الواحد الأحد والخيرين في العالم أجمع.

 

ففلسطين هي :

– الأرض التي تضم المسجد الاقصى ثاني مسجد بناه بعد المسجد الحرام النبي ابراهيم عليه  السلام (2). ومسرى النبي العربي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه الى السماوات العلى. وفيه أمَّ عليه الصلاة والسلام إخوانه الأنبياء في صلاة ليلة الإسراء· واليه اي الى المسجد الأقصى تشد القلوب الرحال مع المسجد الحرام والمسجد النبوي. وأن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة·

–  وأن بيت المقدس كان القبلة الأولى للمسلمين، قبل أن تتحول إلى الكعبة. وهي ارض طاهرة مباركة بنص قرآني لقوله تعالى ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) ، ولقوله تعالى (ونجينا لوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) ·

–  وهي موطن الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي عليهم ومنهم، لوط وإسحاق – ويعقوب – وموسى- وداود – وسليمان – وعيسى عليهم السلام بالإضافة إلى أن القدس تحتضن إلى جانب المسجد الأقصى المبارك قبة الصخرة المشرفة، وما تمثله هذه الصخرة من تاريخ ديني عريق منه: أن النبي إبراهيم عليه السلام اتخذ عندها مكانا لعبادة الله تعالى، وعليها أقام يعقوب عليه السلام مسجده وفيها نصبت قبة الزمان أو خيمة الاجتماع وغير ذلك(3).

إن تاريخ تهويد فلسطين والقدس حلقة من مسلسل طويل مرير، سطره الصهاينة المحتلون بالقتل وبالغش والخداع والمراوغة، وفي كثير من الأحيان بالغفلة والضعف والخنوع من قبل العرب فكان تاريخاً أليماً وواقعاً زائفاً أبتداء بوعد بلفور، ولم تنتهي فصوله بعد .

وأن قضية تهويد فلسطين و (اقتلاع) الشعب العربي الفلسطيني من أرضه بالقوة وتشريده وإحلال كيان غريب مكانه وهو الكيان الصهيوني،  ليلقى كل أنواع العذاب والمعانات منذ أن تم زرع هذا الكيان المسخ  في أرضه وارض أبائه وأجداده منذ 15/ مايو عام  1948م ليعيش كل هذه السنين الطويلة مقهوراً مظلوماً، مسلوب القدرة لاسترداد أرضه ومقدساته، هي نتائج خطط شيطانية و ثمرة قرارات إستراتيجية بدأت قيادات الاستعمارالغربي وزعماء الحركة الصهيونية منذ زمن طويل على نسج خيطوها وأعتمادها والسعي بكل الوسائل لتحقيقيها، ليس بحق فلسطين و حسب بل بحق الأمة العربية بكاملها الا انها أصبحت أكثروضوحاً مع ظهورالحركة الصهيونية .

وقد أسهمت العديد من الدول الاستعمارية الغربية بلعب أدوار وبأشكال متفاوتة لتنفيذ هذه الجريمة، وسوف نتحدث هنا بإيجاز عن ابرز الأدوار لتهويد فلسطين والقدس التي لعبتها هذه الدول كل على حدة.

أولاً:  الدور الفرنسي

تشير المراجع التاريخية الى أن (نابليون بونابرت) قام في عام 1799م ولتنفيذ اهداف فرنسا الإستراتيجية بالمحاولة الجدية الأولى لاحتلال فلسطين عن طريق إسكان اليهود فيها، إلا أن تلك  المحاولة باءت بالفشل كسابقاتها·

ونظراً لأهمية المشرق العربي الجغرافية والإستراتيجية، وفي سياق التنافس الاستعماري الذي كان قائماً بين فرنسا وبين إنجلترا الذي استمر منذ أواخر القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، فقد رأى ساسة فرنسا أن خير طريقة للتغلب على انجلترا هو هزيمتها في مستعمراتها الشرقية والقضاء على تجارتها وتحويل التجارة الشرقية إلى البحر الأحمر والبحر الابيض المتوسط بدلاً من طريق رأس الرجاء الصالح الذي كانت تسيطر عليه انجلترا ؛ وأن ذلك لن يكون إلا بتكوين إمبراطورية لفرنسا في المشرق العربي.

 وعلى هذا الأساس قام نابليون بحملته العسكرية على مصر والانطلاق منها لغزو فلسطين والشام عموماً· حيث دخلت القوات الفرنسية الغازية، العريش ثم غزة، ويافا؛ التي سلمت حاميتها وعددها أربعة آلاف جندي للضابط الفرنسي الذي أمنهم على حياتهم، ولكن نابليون الذي خاف أن يحملوا السلاح ضده في عكا إذا تركهم وشأنهم، قام بقتلهم مرة واحدة في جريمة بشعة قل نظيرها في التاريخ·

ثم سار نحو عكا فوقف أمامها حيث واجه صعوبات لم تصادفه من قبل ، تكمن في الموقع الحصين الذي يتمتع به ميناء عكا، وقوة بأس قائد حاميتها احمد باشا، اضافة الى تزامن وجود سفينتان حربيتان من الأسطول الانجليزي بقيادة سدني سمث في ذلك الوقت، حيث ساعد وجودها على وصول المؤونة والذخيرة إلى المدينة· فظل الحصن مفتوحاً من جهة البحر مما اضعف تأثير حصار نابليون عليه·

وأرادت الدولة العثمانية حينها أن تحصر القوات الفرنسية بين نارين وتضطرها بالتالي إلى رفع الحصار نهائياً عن عكّا، فقامت بتحريك قوة من دمشق، مما أضطر نابليون الى إرسال قوة قليلة العدد بقيادة كليبر لملاقاتها، ولكن كليبر أوشك على الأنهزام فسارع نابليون إلى نجدته وأحرز انتصاراً في موقعة (تل طابور) جنوبي عكا في 16 أبريل 1799م ، أعقبه بهجوم على عكا حيث تعرضت قواته لخسارة جسيمة،  فأكتفى بتدمير المدينة وتخريبها ورفع الحصار عنها ثم ولى راجعاً إلى مصر عن طريق الصحراء ومنها الى فرنسا ·

وعلى إثر فشل هذا الغزو الفرنسي لاحتلال فلسطين كتب المؤرخ الصهيوني ( ناحوم سوكولوف) وهو يعلق على ذلك بأسف قائلاً : (بما أن حملة نابليون  من مصر على سوريا كلها قد فشلت ، فأن الرأي العام اليهودي قد انقسم هو أيضاً· وليس ذلك فيما يتعلق بالمبدأ، بل فيما يتعلق بالإمكانيات الحالية والوسائل).

 وقبل دعوة نابليون لاحتلال فلسطين بقليل نُشِرَت في فرنسا رسالة مغلقة كتبها كما يزعم، احد أعضاء السبط اليهودي، إلى صديق له يقول فيها (إني اقترح بإذن فرنسا: احتلال البلاد التي تشمل مصر السفلى، وكذلك المنطقة الشاسعة  حول البحر الميت حتى البحر الأحمر، زاعماً وكما جاء في ص32 من كتاب (احذروا الصهيونية) الصادر عن وكالة نوفستي ابان فترة الاتحاد السوفيتي، أنه: ( بعد ان نحتل موقعاً يشكل انسب المواقع في العالم نصبح، بفضل البحر الأحمر، ملوك التجارة مع الهند والجزيرة العربية، وافريقيا الجنوبية والشرقية ، والحبشة وهي أغنى البلدان التي زودت الملك سليمان بكميات كبيرة من الذهب والعاج والحجارة الكريمة·   وقد اقترح في رسالته تلك اقتسام هذه الثروات كلها مع فرنسا·

ثانياً : بريطانيا

وإذا كان بإمكان البعض وصف محاولة المستعمرين الفرنسيين لاستغلال اليهود لأغراضهم واهدافهم الخاصة  في الوطن العربي بأنها (حادثة تاريخية فقط) ، فينبغي أن ننظر إلى جهود الإدارات الاستعمارية المتعاقبة  في بريطانيا  بأنها ليست سوى تنفيذ دؤوب لخطة امبريالية وضعت بأحكام لتهويد فلسطين بدءها (بالم ستون) رئيس وزراء بريطانيا الذي دعى عام 1839 إلى زرع كيان يهودي في فلسطين (4 ).

 ولقد  قامت بريطانيا بأخطر دور تقوم به دولة في التاريخ الحديث في تهويد فلسطين وذلك مقابل المال الذي دفعه الصهاينة لها خلال الحرب العالمية الأولى وحصلوا بموجبه على ( وعد بلفور) وزير خارجية بريطانيا عام 1917م. ولقد تمثلت خطورة دور بريطانيا في كونها  زرعت خطراً لم يزو  بانتهاء الحرب العالمية الأولى لكنه شكل تهديداً جسيماً  مستمراً على الامة   العربية وسكانها ومقدراتها ومستقبلها، تمثل في زراعة الكيان الصهيوني  ذلك الجسم الغريب في قطر فلسطين،  قلب الوطن العربي وأرض المقدسات  فيه.

ولقد أكدت المصادر والوثائق البريطانية الرسمية أن هذا الدور الذي لعبته بريطانيا كان لأهداف سياسية واستراتيجية واقتصادية واستعمارية موجهة ضد الامة العربية وليس ضد الشعب العربي  الفلسطيني فقط ،كما توضح تلك الممارسات، ان ذلك الدور كان يصب في صالح الصهيونية العالمية اكثر منه في صالح بريطانيا، وقد مارست بريطانيا في سبيل  ذلك الكذب  والخداع، حيث لم توف بأي من تعهداتها والتزاماتها الواردة في رسائلها المتبادلة مع حكام العرب، إذ أنها تنكرت لتعهداتها  التي وعدتهم بها باستقلال  الأقطار العربية  حال أنهزام الدولة العثمانية· وقد ترتب على سياسة بريطانيا ومماطلتها هذه، احتلال الوطن العربي وتقسيمه إلى دويلات تفصلها حدود مصطنعة ومن ثم استعماره،  وبيع فلسطين للحركة الصهيونية ( 5).

ثالثا : احتلال سوريا ونهضة الصهيونية

وفي عام 1840 تدارست الدول الاستعمارية الأوروبية الكبرى المتصارعة من أجل الهيمنة والنفوذ على الإمبراطورية العثمانية المريضة ، قضية ما اسمته سوريا (المحتلة). فكتبت صحيفة  (تايمس اللندنية) في 17- أب-1840م مقال بعنوان (سوريا ونهضة اليهود) جاء فيه:

 (إن اقتراح إسكان اليهود هناك تحت حماية خمس دول لم يعد يشكل قضية موضع مناقشة بل أصبح بالأحرى مادة لمناقشة جدية · وكتبت احدى الشخصيات السياسية الانجليزية البارزة في رسالة إلى المسؤول البريطاني الكبير(بالمرستون) يقول أنه من الضروري تحويل سورية الى (دومينيون) انكليزي، واقترح في ختام رسالته قائلاً: (لو أننا أمعنا التفكير في قضية عودة اليهود على ضوء إقامة أو استعمار فلسطين لاكتشفنا أن ذلك هو ارخص واضمن طريق لتزويد هذه المنطقة بالسكان، بل هو امر ضروري).

وفي عام 1877م كتب في احد كتبه عن الهجرة إلى فلسطين، أنه من الصعب أن يستطيع الإنكليزي أستعمار فلسطين بمثل النجاح الذي حققوه في استعمارهم لأمريكا الشمالية وذلك بسبب الحر، والمصاعب التي يخلقها العرب، وعدم وجود حماية فعلية، ولذلك فقد اقترح استخدام اليهود لهذا الغرض . ويشهد حاييم ويزمان أول رئيس للكيان الصهيوني للدور التآمري البريطاني حيث يقول في مذكراته أن بريطانيا قد أحتضنت الحركة الصهيونية وأخذت على عاتقها تحقيق أهداف تلك الحركة، وقال أن لندن هي الطريق الذي اوصل إلى فلسطين.

لماذا فلسطين ؟

أما عن أهمية موقع فلسطين بالنسبة للحركة الصهيونية العالمية فيقول (ناحوم جولدمان) لقد تم اختيار فلسطين وطناً قومياً لليهود وقد كان بإمكانهم أن يحصلوا على أوغندا او مدغشقر اوغيرها مما عرض عليهم، ولكن الصهاينة لا يريدون على الإطلاق إلا فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو لسبب إشارة التوراة إليها أو لأن مياه البحر الميت تحتوى على ما قيمته الآلاف الملايين من الدولارات من المعادن والأملاح الثمينة، أو لأن تربة فلسطين الجوفية ربما تحتوي على كمية كبيرة من البترول فحسب ، بل لأن فلسطين والمنطقة المحيطة بها هي ملتقى الطرق بين أوروبا وأسيا وأفريقيا ولأنها المركز الحقيقي للقوة السياسية العالمية.

وأضاف:( وعلى أية حال فقد كانت الإمبراطورية البريطانية تعمل بكل جد وإخلاص من أجل خلق وطن قومي في فلسطين منذ عام 1845م – وكان لسفيريها في كل من القدس واستانبول جهود كبيرة في هذا الخصوص).

لطفا يتبع..

مشاركة المحتوى
Author: