البَعث وروح الأُسرة الواحِدة

البَعث وروح الأُسرة الواحِدة

د. محمد رحيم آل ياسين

إنَّ النظام الذي يقوم عليه حزب البعث العربي الاشتراكي في تنظيمه وقواعد عمله الداخلية، هو نظامٌ مفتوحٌ (داخلياً)، كما الأسرة الواحدة في علاقاتها الخاصة. وقد كفل النظام الداخلي للحزب لكل عضو فيه كافة الحقوق في هذا المجال للتعبير عن رأيه داخل الحزب وممارسة دوره كاملاً غير منقوص.  فمَن يجد ما يناقشه أو يعترض عليه، فله كلّ الحق في سلوك القنوات المشروعة حصراً، لعرض ما يراه صعوداً إلى أعلى مستويات القيادة، كما أن من حقه أن يطلب مندوباً من القيادة للحضور والمناقشة، وغير ذلك من الأساليب التي تعبر عن حيوية وتفاعل دائم وديمقراطية مركزية.

 ولكنَّ هذا النظام مُقفَل (خارجياً)، لا يطَّلع على تفاصيل تلك المناقشات والقضايا أحدٌ من خارج البعث حتماً. وذلك لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر سياسية وامنية تؤذي مسيرة الحزب وتعرض الرفاق إلى اخطار محدقة.  لذا فمن واجبات العضو في الحزب، وكما أدلى بالقسم الحزبي في حفل نيله شرف العضوية، الحفاظ على أسرار الحزب وعدم افشاء هذه الأسرار، والتعامل مع المعلومات والقضايا التنظيمية في غاية السِريَّة والكتمان، ويشمل ذلك التحدث خارج الاجتماعات الحزبية أو نشر معلومات تنظيمية، في أية وسيلة من وسائل النشر سواء العام منها أو الخاص، الحديث منها أو القديم، وعدم ترويجها إطلاقاً، لأنها ستأخذ طريقها إلى العلن حتماً، ومن ثمة إلى أعداء الحزب إن عاجلاً أم آجلاً.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ قيادة البعث مُلتزمة دائماً بالمتابعة والتوجيه والإرشاد للجميع، ومتميِّزة بالصبر وسعة الصدر إزاء من يبدي اختلافاً في القناعات أو زلل في بعض الممارسات النظامية.  حيث لا تألوا وقتاً وجهداً ووسيلة لإصلاح الرفيق المعني أو الحالة المعنية إلا واعتمدتها. كما وتتسم بالتواضع الجَمّ وتعكس ذلك في تواصلها ومتابعتها لأصغر الحلقات الحزبية والتفاعل مع قناعاتهم التي ترفع لها بالطرق النظامية التي ينص عليها النظام الداخلي، في تجسيد لمسؤوليات وواجبات القيادة الحقيقية المُناطة بها.

وبالمقابل فإن ما يُميِّز المناضلين في الحزب هو احترام القيادة القومية، والعمل بما تُقرّره فكريَّاً وتنظيمياً، وفق ضوابط وبوصلة النظام الداخلي للحزب، إضافة إلى تميّزهم بإنكار الذات، والتَحلِّي بروح الفريق الواحد والتجرّد من الميول الفردية والعَبثيَّة الشخصية، والتي لا تفضي إلّا إلى إثارة الشغب والفرقة، في جسد البعث العظيم.

وفي ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي يتعرض له البعث فكراً وتنظيماً، قيادة وقواعد، بسبب عقيدته القومية الوحدوية بالدرجة الأساس، من خلال الاجتثاث الإجرامي وغيره، فإن على الجميع أن يستدعوا قيَم الرِّجولة، ليعززوا بها قيَم ومبادئ البعث الحقيقية الأصيلة لديهم، وأن يسعوا إلى المبادرة في تنفيذ كل ما من شأنه تعزيز وحدة الصف، والالتفاف حول القيادة المركزية المتمثلة في القيادة القومية، رمز وحدة الأمة العربية وأكبر مجَسِّد لعقيدة البعث.

 

التَّكتُلُ فِي الحزب فعل فَردِيٌّ..

وليسَ بِظَاهِرةٍ جَمعِيَّةٍ سوية

ومن الأمراض التنظيمية التي تعتري مسيرة الأحزاب الثورية هي (التكتل). ولا يختلف البعث كحزب ثوري، عن ذلك حيث ظهرت مثل هذه الحالات عبر مسيرته النضالية الطويلة. إلا أن التَكتُّل في الحزب لا يُمثِّل ظاهرةً جمعيةً سَويَّةً، بل هو فعلٌ مَرَضيٌّ وفرديّ، قد يَتعدَّى الحزبي الواحد إلى مجموعة محدودة من المنتسبين للبعث، ممَّن اتفقوا وتوافقوا على سلوك مَسلكٍ مغاير لما ينص عليه النظام الداخلي وقواعد الحزب والمبادئ التنظيمية والقيَم الحزبية التي ناضل ويناضل من أجلها الحزب عبر أكثر من خمسة وسبعين عاماً.

ومن الصفات المفضية إلى هذا المرض التنظيمي هي طغيان المصلحة الشخصية للمعني على المصلحة الحزبية العليا، وعدم تمكنه طيلة سنين عمره الحزبي من هضم قيَم البعث ومبادئه واستيعابها استيعاباً تاماً، مما يعيق الارتفاع والتَرَّقي بالنفس إلى مستوى تقديم المصلحة العليا للحزب على المصلحة الخاصة.

فالتَكتّلُ في حقيقته هو تعبير عن مشكلة داخلية موجودة في شخصية المُنتَسِب للحزب، ذلك لأنَّ القاعدة العامة التي يعتمدها المناضلون ويعتمدون عليها، هي الانفتاح على الرفاق، والتسامح، وقبول الرأي الآخر وكل ذلك مستند إلى مجموعة من النُظم الحزبية والقيم الأخلاقية، التي تبدأ من الإيمان بفكر البعث وأهدافه ومنهجه، وأخلاقه العروبية الأصيلة، والطاعة الواعية والاحترام للقيادة القومية، والتآلف مع الرفاق، والاتفاق، والانسجام، والمحبة، والتضحية، والإيثار، وغيرها من السلوكيات والفضائل التي لا يمكن حصرها هنا وكلها تعبِّر عن سجيّة صحية وسليمة.

تعريف التَكتُّل لغةً

وقبل الدخول في غمار موضوع (التَكتُّل)، نمرُّ مروراً سريعاً على معناه في اللغة، فقد ورد في معجم المعاني الجامع:

كَتَّلَ، يُكَتِّلُ، تَكتيلاً: ويأتي بمعنى الحبس، والمنع، وهنا يُعبِّر الفعل عن حبس النفس في أفقٍ ضيِّقٍ، غالباً ما يؤدي إلى الابتعاد عن الحقيقة او حجبها، وبالتالي الابتعاد عن قيم البعث ومصلحته العليا.

التَكتُّل يقود إلى الانحراف والتَّمرد

 ومن أسباب التكتُّل هو وجود شعور بالإحباط الناجم عن تقاطع ما يطمح إليه ويطمع به المعني، من مصالح شخصيَّة ضيِّقة، وأمانٍ تتعارض مع مصلحة الحزب والأمة، ومن ثمة يشعر بعدم جدوى الاستمرار في المسيرة الظافرة للبعث العظيم، بما يجعله يفقد الثقة بنفسه، التي كان يراها في العادة في مصاف (العظماء)! فيرى وجوده في جسد البعث كمَن لا وجود له على أرضية الواقع، لذلك يستسهل التمرُّد لَعلَّه يجدُ مكاناً عَلِيَّا، فيعيش الاضطراب، الذي يفضي إلى العمل ضد مصلحة الحزب العليا.

وهذا على خلاف البعثي الأصيل الصميمي الذي، وبغض النظر عن موقعه في القيادة أو القاعدة، لا يرى نفسه سوى ذرة من تراب تبني صرح البعث الشامخ في علياء المجد.

وبعد ذلك علينا أن نعلم أنَّ التَكتُّلَ ليس بظاهرةٍ جمعيةٍ، بل هو فعلٌ استثنائيٌّ وطارئ على الحزب، لأنه يتقاطع جوهرياً مع أساس فكرة الحزب القائمة على التجمع والالتفاف حول مركز واحد تجسده عقيدة الحزب، ورسالته الحضارية، وبنيته التنظيمية، وقيادته المركزية، لذا يفتقد أي تكتل إلى صفة الديمومة والاستمرار والثبوت.

إنَّ الوعي الحزبي، هو مَن يحفظ البعثي الحقيقي، والمناضل الأصيل من حالات التَكتّل والانحراف أو التَمرَّد على القيادة العليا للبعث مُمَثَّلةً بالقيادة القومية.

ومن الأمراض التنظيمية الأخرى التي ظهرت عبر مسيرة الحزب النضالية، وأفرزتها التجارب التنظيمية، هي وجود صفتان تتفاعلان في شخصية العضو المُتَكتِّل وهما: الغرور والاعتداد المفرِط بالذات على حساب الكلّ في الحزب، والتَفرّد بالرأي وإن كان خطأً، فالمعني يعطي لنفسه كلّ الحقّ، ولكنَّه يسلب رأي الآخرين وخاصة قيادته، ويبخسها حقّها في الرأي والتوجيه والقرار. متناسياً عن عمدٍ تلك العلاقة المتينة، والأواصر الرصينة التي تجمع بين القيادات العليا، بدءً من القيادة القومية وبين التنظيمات الحزبية، كونها مبنيَّة على التكامل، والتآلف، والتنسيق، والمحاورة، والتواصل المستمر من أعلى هرم القيادة حتى القاعدة.

ومن هذا المُنطلق فالتكتل يؤدي بالضرورة إلى التَخبّط وعشوائيَّة وعبثيَّة الجهود، وبما يَتسبَّب في إلى ارباك العمل التنظيمي، وإلهاء الرفاق وفي كل المستويات عن عملهم النضالي الذي يقومون به، واشغالهم عن مهامهم الأساسية والقيام بدورهم الفاعل في المسيرة النضالية للبعث التي هي مسيرة الوطن والأمة.

المناضل الحقيقي وعَقلَنة التَّفكير

إنَّ القائد والمناضل البعثي الحقيقي، يتميَّز بقدرته على (عقلَنَة) التفكير، وقدرته على حُسن السلوك والتصرّف، وترويض ذاته ونفسه وفق استلهام حقيقي للبعث فكراً ومنهجاً وسلوكاً.

ومن صفات هذا المناضل، وفي مقدمتها، الثقة بالقيادة العليا وهي في حزبنا القيادة القومية، ومن ثمة الالتزام بما تصدره من تعليمات وتوصيات وقرارات.

والقائد البعثي الحقيقي، ليس لديه فائضاً من الوقت، ليلهو ويَتفنَّن في التكتُّل وغيره، فكلّ وقته، كما ينبغي، هو ملكٌ للحزب والأمة، وبالتَّالي فلا يهدر وقته في الحشد والتعبئة الضارة لأنه يدرك إنها لن تفضي إلا إلى الفتنة والفرقة والتَشَظِّي في الحزب.

وفي الختام نقول: إنَّ المناضل في الحزب، وحيث أعلنَ وأقرَّ منذ ترديده القسم، بأن يكون حافظاً أميناً على قيَم البعث ومبادئه، فهو يلتزم التزاماً كاملاً بشروط انتمائه للحزب التي أقسم عليها منذ أن نال العضوية، وفي مقدمتها، تنفيذ ما تقرّره القيادة الحزبية، وألا يخرج عليها، وأن يحافظ على أسرار ووحدة الحزب الفكرية والتنظيمية، التي هي روح الأُسرة الواحِدة.

مشاركة المحتوى
Author: