مُحَاولاتُ تَشْويهَ تَاريِخِ الأُمَّة بالغَزْوِ والتَّزوِير…لماذا وإلى أين ؟!

مُحَاولاتُ تَشْويهَ تَاريِخِ الأُمَّة

بالغَزْوِ والتَّزوِير…لماذا وإلى أين ؟!

         

د.محمد رحيم آل ياسين

 

ابتداءً فالحديث عن تاريخ الأمة قَديمُه وحَديثُه، يَستوجِب لمَن يَتصدَّى لدراسته والتَحدّث عنه أن يكون مؤرِّخاً نزيهاً، وباحثاً أميناً، ومُتَعمِّقاً في تفسير التاريخ وفلسفته، كونه علمٌ من العلوم المهمَّة، كباقي العلوم الانسانية الأخرى، وتالياً يكون على بيِّنةٍ بمُجريات حوادثِه ووقائعِه، كيما يمكنُه أنْ يَغوص في أعمَاقِه، ويَسبر أغواره المُمتدَّة عبر الزمن.

نقولُ هذا بعد أن انبرى البعضُ، فَسمحَ لنفسه أنْ يَتَحدَّث عَن الفُتوحَات الإسلاميَّة ويَنتَقدها!، بحِجَّة أنَّها قَد تسَبَّبَت بانضمامِ عناصرٍ أجنبيةٍ غير عربيةٍ لدولةٍ العربِ الكبرى، وبالتَّالي حسبَ زعم هذا البعض، فإنَّ هذا له من الآثارِ السلبية، الاجتماعيةِ، والسلوكيةِ، والأخلاقيَّة الكثير، والتي كما يراها تُشكِّل خطراً حادقاً بالأمة وبالمجتمع العربي، قديماً وحديثاً.!!

وفي ردّنا على هذا الرأي الذي يتسم بالعنصرية والشوفينية، كما انه يفتقر الى الموضوعية من جهة، وإلى الدراية بأحوال الأمم عبر التاريخ البشري في العالم بأسره، نقول: انَّ على مَن يَتبَّنى هكذا رأياً وموقفاً من الفتوح العربية الإسلامية، أن لا يتجاوز على حقيقة أنها كانت نشراً لرسالة سماوية سامية ولم تَكُن اجتهاداً أو عملاً اعتباطيَّاً، أو نزهةً في الآفاق، مِن قِبَل الرسول (ص) ، واستمرار صحابته وخلفائه الراشدين بالسَّير على منهجه، باستكمال الفتوحات في بلاد الأعاجم أيَّاً كانَ جِنسَهم وعِرقهم. كما أنَّنا نَرى أنْ قيام البعض بالتَنظير والافتاءِ في التاريخ العربي والإسلامي دونَ أنْ يكون على دِرايةٍ واسِعةٍ في هذا التَاريخ، او مُتَخصِّصاً فيهِ، وباحثاً في آفاقه وآثاره ومآثره سيوقِع صاحبه حتماً في اخطاء جسيمة تفقد العمل اية قيمة وجدوى.

ومِن ذلكَ أيضاً على مَن يَدلو بدَلوهِ في هذا المجال، أنْ يكون موضوعيّاً بالدرجة الأولى، ثم يكون قَد اطَّلَعَ على علم الجغرافية وتأسيس المُدن العربية وجغرافيَّتها وأسباب نشأتها، لأنَّ جغرافية المُدُن العربيَّة تُفَسِّر الكثير مِن الأمور التي كانت خافية عن المهتَّم بالتاريخ العربي، وعلاقتها بالفتوحات الإسلاميَّة، وقضايا الأمة المصيرية منذ بدئ الفتوحات وحتى يومنا هذا. ومَن يريد أن يتبيَّن تاريخ القبائل العربية وغير العربية مِن الأقليَّات المنسوبة الى بلاد العرب، والتي تشارك العرب حياتهم ومعيشتهم وتاريخهم ومصيرهم، في العراق والعديد من الاقطار العربية الأخرى، فإنَّ عليه أنْ يُحِيط علماً ودرايةً وخِبرةً بالقبائل العربية وبطونها وأفخاذها. ومَن يُريد التَحدُّث عن الأقليَّات غير العربية بموضوعية وعلمية عليه ان يميِّز بين تلك التى تتبع بالولاء الايجابي، أي الولاء للبلد الذي نَمَت وعاشَت فيه ( وهي الاكثرية) ، أو التي يكون ولاؤها سلبياً، بمعنى الولاء للبلد أو العِرق والجنس الأم، أو لغيرها، وليسَ للبلد الذي عاشَت فيه وتَغذَّت مِن خيراته ونعيمه، كما هو حال الأقليَّة (الفارسية) التي كانت تُشارك العراقيينَ عَرباً، وكُرداً وتُركاً في العيش والحياة الحرة الكريمة.

هكذا إذاً يكون الأمر أمام مَن ينوي الخوض في كُلِّ ما قَدَّمناه، عندئذٍ يكون له الحقّ في تناول تاريخ العرب قبل الإسلام أو بعده، ويمكنه الحديث عن الفتوحات العربية الإسلامية، والحضارة العربية العظمى، وعن ماضي الأمة وحاضرها، بعد أنْ بلغ درجة مُتقدمة مِن التَّحري والتَّنقيب والبَحث العلمي عن تفاصيل كُلّ تلك الأمور. فكُلّ تلكَ المجالات والقضايا هيَ عُلومٌ ليسَ مِن السَّهل معرفتها أو الغَوص في أعماقها دونما دراسة مُستفيضة وتَحَرٍّ وتدقيقٍ.

التفسير القومي للتاريخ والإرث الحضاري

عندما نفسِّر التاريخ والإرث الحضاري العربي الاسلامي ونتحدث عنه، فإنَّ هذا التفسير يجب أنْ يكون تفسيراً قومياً (عربياً)، لأنَّ هذا التَّفسير والمنظور القومي للتَاريخ وللحضارة العربية الإسلامية يجعلنا نقرأها القراءة الواعية والمتوازنة والموضوعية، ونقف على عواملها الحقيقية بعيداً عن العاطفة أو التحيّز اللاعلمي. وبعكس هذا التفسير القومي (العربي) فإنَّنا سوف نقرأه بالمقلوب!، عندها تُصبح الوقائع عبارة عن أوهام وخيالات ليسَ أكثَر، وستضيع مِنَّا كُلّ تلكَ الحقائق البيِّنة، وبالتالي نتحوَّل الى التَّشكيك في تاريخنا التليد، وتراثنا الثَرّ المجيد. حيث أنَّ الأمانة التاريخية تَسْتَدعي مِن دارس التاريخ والحضارة العربية الإسلامية والباحث فيهما أنْ يَعطي للعرب ما كانَ لهم مِن الدور والأهميَّة الحقيقية الكبرى في خدمة الشعوب والأمم والانسانية جمعاء. وفي أول تلكَ الأهميَّة هو دورهم في التحول الحضاري والثقافي والأخلاقي للأمم والشعوب والبلدان التي فتحوها، فأسَّسوا فيها للعدل والحقّ والخير، ولكل تلك الشعوب بعد أنْ أصبحت تحت لواء الإسلام وفي حكم وعدالة العرب، فحَفظَ العربُ كرامة الناس، من الأعراق والقوميَّات غير العربية، وأعطوهم حقوقهم وأجزَلوا لهم الخيرات. وهكذا نرى أنَّ على البعض مِمَّن انتقدوا الفتوحات الإسلامية واعتبروها خللاً في المنهج والتَوجه، فاختلقوا بعض الحُجَج والذرائع والمطبَّات لتلك الفتوحات، منها أنَّها، أي الفتوحات العربية قد تسَبَّبَت بادخال العنصر الأجنبي في كيان الدولة العربية، وتَغلغَل هذا العنصر في الحياة العامة الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية التي تميَّزَت بطابعها الخاص.

 نقول: إذا كان هذا البعض يتوخّى الموضوعية والمصداقية في التحليل، فعليه أن لا يتسرع في كَيل التُهَم الجُزاف بحقِّ قادة هذه الفتوحات من الرموز التاريخية العظيمة، ابتداءً مِن خلفاء الرسول الأعظم وصحابته الكرام، مروراً بالعهد الأموي والعصور العباسية الثلاثة، قبل ان يتعمق في النتاج الحضاري لما انجزته الدولة التي اسسوها من قيم انسانية وتطور واكتشافات لم تساهم في تطور بلادها فقط، وانما التقطتها اوربا والعالم اجمع واعتمدتها الامم في نهضتها لاحقاً.  وبالتالي سيجد إنَّ عليه وعلينا، أنْ نقف اجلالاً واكراماً لأبطال الفتوحات العربية الإسلامية في تلك العصور الزاهية المجيدة مِن تاريخ الدولة العربية الكبرى، منذ القرن الهجري الأول حتى الغزو المغولي لبلاد الرافدين واجتياحها، واحتلال بغداد الرشيد حاضرة العرب والدنيا كُلّها في العام1258م.

وبعد ذلك، فعندما نتحدَّث عن بعض الأقليَّات غير العربية في الوطن العربي، التي يرى البعض مِن الكتّاب أنَّها نتاج الفتوحات الإسلامية، وأنَّ وجودها استثنائي وشاذّ كانَ بسبب الفتوحات الإسلامية، فهو قد ارتكب خطأً تاريخياً فادحاً. والحقيقة كما نراها مِن خلال دراستنا للتاريخ العربي فإنَّ هذا التاريخ يُطلعنا على أنَّ هذه الأقوام (الأقليَّة)، إنّما كانت تشارك العرب في معيشتهم وحياتهم بفترة سبقت الإسلام بسنوات طويلة، والبعض من هؤلاء ومنهم الكُرد مثلاً، كان لهم وجود منذ آلاف السنين في العراق وسوريا مثلاً، وهم الميديون والميتانيون، وقد حكموا لعشرات السنين بعد أنْ أسَّسوا لهم ممالك ودول، صحيح أنَّ التاريخ يذكر لنا أنَّهم كانوا قد نزحوا مِن مناطق بحر قزوين المتاخمة لدولة فارس، ومِن مناطق الهند، لكن هذا لا ينفي عنهم الصفة الوطنية كونهم عراقيون أو سوريون، فليسَ وجودهم طارئاً أو مرتبطاً بالفتح الإسلامي.

قد يكون الترك العراقيون مثلاً قد عاشوا أجيالاً عديدة في العراق وبعض الأقطار العربية بعد الفتح الإسلامي المُبين، لكنَّهم كما الكُرد لم يكونوا يعرفون ثقافة غير الثقافة العربية، ولا أدب غير الأدب العربي، بل حتى اللغة التي يتعاملون بها بينهم ويتخاطبون من خلالها هي اللغة العربية، مع احتفاظهم بلغتهم القومية الأم. هؤلاء كُرداً وتُركاً يَعتزّون بالأمة العربية أيَّما اعتزاز، يَفتخرون ويُفاخرون بالعراق وسوريا ومصر وأهلهم من ابناء الامة، ويُفَضِّلون العرب على أهلِ مِلَّتِهم.

العروبة انتماء وولاء

رغم أنَّ العراقيين الأماجد كانوا يعاملون الأقلية الفارسية المتواجدين على أرض العراق أو ما يُسَّمى بـــ(التبعية الإيرانية) معاملة الأخوة في البلد الواحد، ويتقاسمون معهم لقمة العيش، ولكنْ للأسف كانت النتائج مُخيِّبة لآمال وأماني العراقيين، فقد تَكشَّف بالبيان الساطع، والبُرهان القاطع، أنَّ هؤلاء لا ينتمون الى العراق، وإنَّما انتماءهم وولاءهم لأصل مِلَّتهم الفرس الصفويين ودولتهم المشؤومة فغدروا بالعراقيين وخانوهم وتآمروا مع الفرس في قتلهم، في محاولة خبيثة ويائسة لخلق الفتن الطائفية والاثنية بين أبناء الشعب العراقي الواحد، ابتغاءً لكسر ارادة العراقيين، وتمزيق لحمتهم الوطنية وتماسكهم، وتفتيت كيانهم الواحد المتآلف.

 في حين كانت الأقليَّات غير العربية الاخرى ومنهم الكُرد والتُرك واخرين قد نشأوا في أرض العروبة الطيبة المِعطاء، وعاشوا فيها، وأصبح لأبنائهم وأحفادهم وذراريهم أثَراً واضحاً في الثقافة العربية والإسلامية في الأقطار العربية، وباتت اللغة العربية هي لغة الثقافة لديهم، وغدَت أيضاً لغة للتخاطب مع أهل مِلَّتهم ، حتى ألَّفوا في العربية كُتُباً ومؤلفاتاً كثيرةً، خصوصاً في أيام الدولة العباسية التي يَكُنّ لها الفرس كُلّ الضغينة والحقد. ثم استمر هؤلاء (الكُرد والتُرك) في انتمائهم وولائهم للعراق في الدولة العراقية الحديثة وخاصة في ظل العهد الوطنى بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، فكان عصرهم الذهبي الذي نالوا فيه كُلّ الحقوق والامتيازات الوطنية والقومية والانسانية، كجزء اساسي لا يتجزأ من الشعب العراقي.

وقد بلغ هذا التلاحم حدّاً أصبح بموجبه الكُرد يبدون وكأنهم (العرب الكرد) والتُرك وكأنهم (العرب الترك)، كونهم يَعْتَزُّون بانتمائهم وولائهم للعراق والأمة العربية، فقد استقرّوا بين ظهرانينا نحنُ العراقيّون مثلاً في كافة المُدن والقرى العراقية وتصاهروا مع أهلها، وكانَ تَوَطّنهم فيها منذ قرونٍ عديدةٍ حتى اليوم.  كُلّ ذلك جعلهم يَتمسَّكون بولائهم للعراق وأهله، في حين انفردت الأقليَّة الفارسية والمسماة بـ(التبعية الإيرانية)، عن باقي الأقليات الأخرى بتآمرها على الشعب العراقي الماجد، وفي تمسكها بالانتماء والولاء لدولة الفرس في ايران، وتمسكها بالعرق الفارسي الصفوي.

لقد ناضل أبناء شعبنا مِن الكُرد والتُرك وغيرهم في سبيل العراق والأمة، وقدَّموا الكثير من التضحيات، وكانت مشاركتهم بشكلٍ فاعلٍ وقويّ أسوة بكل العراقيين الأصلاء في معارك الشرف والكرامة للامة العربية في فلسطين وفي قادسية العرب الثانية المجيدة، دليلٌ حَيّ وواقعيّ على انتمائهم للعراق وللأمة.

وهناك بالمقابل موقفٌ عنصريٌّ معاكس مِن قبل الفرس في كُلِّ عهودهم القديمة والمعاصرة، فقد عَدُّوا كُلّ العرب الذين ولدوا في بلاد فارس وعاشوا فيها(فُرْساً) واعتبروهم عبيداً تابعين لهم، كما هو حال أهلنا في الأحواز العربية، وفرضوا عليهم اللغة الفارسية وجردوهم من ابسط حقوقهم القومية.

 

النسيج الاجتماعي العربي واحد

أمَّا الحديث عن أنَّ الفتوحات العربية الإسلامية قد اثرت سلبياً على النسيج الاجتماعي العربي، فهذا مردود عليه وهو يفتقر الى ابسط مقومات الدقة والحقيقة. وفي الواقع لو تحرينا بعمق عن الاسباب لوجدنا ان من يثير ذلك بشكل متعمَّد، هو من يحاول أن يشوِّه التاريخ العربي، ويزوَّر صفحاته الناصعة ويزعزع ثقة أبناء الأمة وخاصة شبابها بأنفسهم وذلك خدمة لأهداف بعيدة المدى. فالبعض من غُزاة التاريخ يزعمون واهمين أنَّ وجود غير العرب ضمن نسيج الأمة الاجتماعي والثقافي، يُشَكِّل وبالاً على الأمة العربية، وهم بذلك يحاولون حجب شمس الحقيقة الساطع بغربال!. لأنَّ ذلك قد يُفهَم منه أنَّ العرب، ودولتهم الحضارية الكبرى، والتي حملت أنوار الحضارة والعلوم والمعارف الى الدنيا كلَّها، قد وقعت في الفخّ!، وكانت الفتوح مثلبة عميقة عليها!، وتالياً فهي ليست مهيَّأة لحمل مشعل الرسالة الإنسانية النبيلة الى العالم كلّه، ومنها ما يُنادي به البعث الخالد مِن مبادئ وأُطُرٍ إنسانيةٍ فريدة، لا تتوافر في أحزابٍ وأممٍ وشعوب أخرى.

إنَّ نقد البعض من الحاقدين على الأمة، ورفضهم لوجود الأقليات غير العربية بين أبنائها، يُعطي انطباعاً للأعداء بأنَّ الأمة العربية، انَّما لديها توجه عنصري، وبالتالي يُشَكِّل ذريعة للحقد والكراهية للعرب، وتالياً اعطاء المبرّرات في استمراء العدوان عليها في كافة المجالات، الاقتصادية والثقافية والعسكرية، وهنا تكمن خطورة هذا الطرح. 

نقول، أنَّ الكثير من ابناء الأقليات غير العربية التي شاركت العرب حياتهم، اتَّقَنوا اللغة العربية، حتى أصبح الكثير منهم من فطاحلها وأئمتها، بل أصبحت لهم العربية هي اللغة الأم فلم تكن لهم راية تظلّهم إلَّا رايتها…حتى أصبحوا كأنَّهم عرباً في لغتهم وآثارهم وفي مُصنَّفاتهم، وولائهم للعروبة. وهم يَعتَّزون كُلّ الاعتزاز بالعربية ، ولا يَعتَّزون بغيرهما، وينطبق عليهم ما جاء في الأثر العربي (الإنسانُ مِن حيث يَثْبُت لا مِن حيثُ يَنْبُت).

إنَّنا نفهم العروبة بالولاء والانتماء، وليست باللسان والنطق حسب، فالولاء للأمة هو الأساس في الحكم على نوعية الأقلية التي تعيش في الوطن العربي، فالأمة هي مَن تحميهم، وتَعُدَّهم مِن أبنائها، لا يُفَرِّق بينهم نَسَبٌ أو لون، ولا مال، ولا عِرق فهم، ابناء الامة الاصلاء، إلَّا الشعوبين منهم، أو مَن يُجاهر بمُعاداة العُروبة، ويَتلصَّص ويتسَلَّل في ظلام الليل ليغدر بالعرب أو يعين عدوهم عليهم، كما هي الأذرع الإيرانية التي تنفذ المشروع الصفوي الاستعماري في بعض أقطار الوطن العربي.

وعلى هؤلاء الذين يتشبثون بحُجج وذرائع واهية، ويحاولون زراعة نبت خبيث بين زروع الأمة الطيِّبة، والطعن في الفتوحات العربية الإسلامية العظيمة، أن يدركوا جيِّداً، أنَّ كل الأقوام من غير العرب، والذين ضمَّتهم الدولة العربية الكبرى بين جوانحها، من  كُرد وتُرك وفرس وآشوريين وغيرهم، في العراق وأقطار الوطن العربي بالأمس واليوم، لم يكن لهم شأن يذكر في عِلمٍ ومعرفةٍ أو مكانةٍ اجتماعيةٍ أو رفاهية ، فالتاريخ ينبؤنا أنَّ ما اشتهروا به مِن المعرفة والثقافة والمكانة الاجتماعية، وما حَذِقوا فيه من العلوم لم يكن نتاج أُممهم السابقة للفتوح العربية، وإنَّما كانَ نِتاج الحضارة العربية الإسلامية.

الثقافة العربية حيَّة متجدِّدة

لقد كان العربُ وما زالوا لا يفرّقون بين الشعوب التي حكموها، وإنَّما زَوَّدوا هذه الشعوب بكُلِّ ما لديهم مِن مُثُلٍ ساميةٍ، ومبادئٍ شريفةٍ، وخِصالٍ حميدةٍ، وهَذَّبوا نفوس الناس وشَذَّبوها، ولم يَسْتَعلوا عليهم ولم يكونوا أسياداً والآخرين عبيداً، أو تابعين. بل جعلوهم كأنفسهم، وليسوا أوصياء عليهم وعملوا على خدمتهم، وخدمة الإنسانية جمعاء. فقد قضى العرب المسلمون على التمايز الطبقي والعنصري، وانفتحوا على كُلِّ ما هو خير للإنسانية جمعاء، وأصبحوا هم وإيَّاهم إخواناً.

وفي الختام نقول: إنَّ الأقليات أو شعوب الدول التي فتحها العرب، كانوا لا يختلفون عن العرب في حَقٍّ، أو واجبٍ، لذا اعتزّوا بالعرب وبالإسلام، وأنَّ الكثير مِن تلك الشعوب وإلى اليوم، يتَمنُّون العروبة في ثقافتها ولغتها، فالثقافة العربية الإسلامية كوَّنَت شعوباً وأجيالاً مِن المجتمعات، لازالت تشعر بالحُب والتقدير للعرب، فالعربية لغة القرآن بل كانت لغة أعظم الحضارات في العالم، في العهد الوسيط، ولا زالت الثقافة العربية الإسلامية، تحتفظ بمثاليتها الأخلاقية، وبروحها المتجدِّدة، وبمكانتها الحضارية، ولم تكن يوماً ثقافة جامدة، أو متخلِّفة، أو ثقافة خُرافة، فهي ثقافةٌ حيَّةٌ واعيةٌ متفاعلة مع العصر.

مشاركة المحتوى
Author: