استِلْهام التَّارِيخ العَرَبِيّ وجَدَليّته في بِنَاءِ عَقِيدَة حِزْب البَعْث العَرَبِي الإشْتِراكي

استِلْهام التَّارِيخ العَرَبِيّ

وجَدَليّته في بِنَاءِ عَقِيدَة حِزْب البَعْث العَرَبِي الإشْتِراكي

الرفيق عبد العزيز أمين عرار

 ممثل جبهة التحرير العربية في اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين /

باحث ومؤرخ فلسطيني..

لقد اهتم قادة حزب البعث العربي الاشتراكي على طول مسيرة الحزب سواء من المؤسسين الأوائل او الجيل الثاني وحتى اليوم في قراءة التاريخ وتحديد ملامحه قديما وحديثا، ولا ننسى ان الرفيق القائد المؤسس هو دارس للتاريخ في اعرق جامعات اوروبا وهي جامعة السوربون . وقد رأي مؤسسوا البعث أن قراءة الواقع وتعيينه تحتاج فهماً خاصاً للمرحلة التاريخية التي تعيشها الامة العربية وذلك قبيل الحرب العالمية الأولى ومعركة سوريا والاقطار العربية الاخرى للإستقلال.  وقد جمعت رؤية البعثيين الأوائل بين الهمّ الوطني والهم القومي، وبين القومي والانساني، وبين نضال الحركات في الاقطار العربية وحركة النضال العالمي ، وكان ان ادرك حزبنا في عملية التعيين والمشاهدة والرؤية والتأسيس أهمية الوحدة العربية كسبيل للتحرير والتقدم .

انطلق البعث من واقع أمتنا التي تعيش التجزئة بسبب قيام الإستعمار بسياسة فرق تسد، في الوقت الذي كانت فيه الحركات والاحزاب القائمة والموجودة  تقوم بتعين الواقع اما بمنظور رؤية خارجية كالحركات الشيوعية، او اخرى تعينه وتراه برؤية قديمة كالحركات الدينية السلفية، وكان البعض الاخر يتحدث عن رؤية جزئية مثل سورية القومية بلا ربط مع العرب والعروبة كالقوميين السوريين الإجتماعيين.  في حين وُجِدت عدة حركات وحدوية كان ينقصها البناء القومي المتين وتخلو من رؤية فكرية عقائدية. وقد عبر عن ذلك المفكر القومي ساطع الحصري الذي كان يرى ان البعث العربي اكثر الحركات والاحزاب اهتماماً وابرازاً لأهمية الوحدة العربية ودورها في نضال الأمة وبناء المصير العربي المشترك .

ولقد أدرك رفاقنا الأوائل أن العرب أمة واحدة كبرى بما يتوفر فيها من عوامل عديدة مشتركة وانها ليست بحاجة الى اثبات ذلك، انما المطلوب هو زيادة الوعي لشمولية المفهوم الذي لم يقتصر على مفهوم الثورة العربية السابق والذي انحسر في بلاد الشام والجزيرة العربية والعراق، بل المقصود هو مفهوم الأمة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غربا.  كما انه يختلف ايضاً مع مفهوم الجامعة العربية في اعتماده على حركية شعبية عربية وحدوية ثورية، لا على جهد الأنظمة،  ولهذا اختار اسم حركة البعث العربي والتي تحولت لاحقاً الى حزب البعث العربي الاشتراكي.

فهم التاريخ وجدليته:

إن فهم التاريخ وجدليته جاء عند البعث العربي عبر عملية ربط ما بين حالة الاحتلال لاراضٍ عربية واقطار متعددة منها: فلسطين المحتلة من قبل الاستعمار البريطاني والصهيوني وايضا لواء الاسكندرونة الذي احتلته تركيا عام 1937، وسبتة ومليلة في المملكة المغربية، واقاليم اخرى كالاحواز العربي الذي تحتله ايران، واقليم اوغادين في الصومال. ومثلما نظر البعث سياسياً فقد نظر اقتصادياً واجتماعياً الى واقع الامة، حيث يعاني العرب من استلاب واغتصاب للأرض والخيرات والتبعية السياسية والاقتصادية التي تعيق بناء الإستقلال والتحرُّر الحقيقي.  بل ان الاقطار العربية رغم حصولها على الاستقلال بقيت مرتبطة طبقاتها الحاكمة بالاستعمار وتتلقى توجيهاتها منه اذ أنه فر بعد الاستقلال من الشباك وعاد من الباب .

وعليه صاغ البعث جدليّة عقائدية وفكريّة تميَّز بها وعبَّر عنها في شعارات ومبادئ، فكان شعاره (أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة)، وكانت اهدافه الاستراتيجية الثلاثة هي ( وحدة ،حرية ،اشتراكية).

إن هذا الطريق الجديد الذي شاء أن يمر من بين عديد الحركات والاحزاب ذات الافكار النمطية المعتادة والمتضادة والمختلفة كلياً، بين سلفية ماضوية توصف بالتأخر عن روح العصر، وأخرى أممية شيوعية تدَّعي التقدم وتتبنى افكاراً ذات قوالب محدَّدة واستاتيكية ولدت في بيئة اخرى غريبة عن بيئتنا العربية وهي المانيا وروسيا، ناهيك عن الافكار الجزئية التي تلامس بعض هموم الامة دون الأخرى .

ولقد قوبلت هذه المبادئ بالمعارضة في البداية وعانت من الصعوبة في انتشارها في اول 10 سنوات من عمر الحزب، حيث بدأت طليعته المناضلة بتأسيس حركة الاحياء العربي عام 1937 ثم تمت تسميتها بحركة البعث العربي عام 1943، ثم تشكَّل حزب البعث العربي في انطلاقته في نيسان 1947، و بعد اندماجه مع تنظيم أكرم الحوراني حمل اسمه العظيم وهو حزب البعث العربي الاشتراكي. لم تبق محدودية الانتشار على هذا النحو اذ سرعان ما تحول البعث الى تيار جارف بعد هذا التاريخ خاصة في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وكان من بين اسباب انتشاره هو تميز نظريته واهدافه الاستراتيجية عن غيره فكان الأكثر تعبيراً عن واقع الامة العربية وشخصيتها وحاجاتها.

الاختلاف بين البعث والماركسية:

 كان الاختلاف بين فكر حزب البعث العربي الاشتراكي والفكر الماركسي واضحاً وجوهرياً في نقاط عديدة يمكن ان نشير الى ابرزها، حيث اختلف مفهوم الجدل التاريخي البعثي عن الماركسي بشكل اساسي، فالاول ينطلق من مفهوم أن العالم مجموعة من الأمم التي تتعدد هوياتها وشخصياتها، وأن من حق كلٍّ منها بناء ذاته بما يلائم هويته واحتياجاته ويصوغ نظريته الفكرية وعقيدته بناء على واقعه. فاكدت النظرية القومية البعثية على نظرة مستقلة للأمم، وبعيدة عن الفهم المادي الإلحادي للماركسية. بينما ينطلق المفهوم الماركسي من نظرة فلسفة كونيّة واحدة لكل الامم تشمل الارض والانسان والخلق فلا تقر بوجود التمايز والاختلاف الذي يميز كل منها عن الاخرى، اضافة الى كونَه  لا يقرّ بوجود الدين والإيمان بالقيم السماوية عند الشعوب. 

أهمية التركيب التاريخي في فهم المراحل:

لقد استوعب الرفيق القائد المؤسس التاريخ ودرسه جيدا وهو مثقف ومطلع على كثير من احداثه. وقد اهتم البعث في اقطار الوطن العربي وخاصة في العراق فقام قبل الاحتلال الغاشم بعقد دورات وندوات حول مفهوم التاريخ والتراث. وكذلك ظهر هذا الاهتمام لدى القيادات الحزبية بدء من الرفاق الامناء العامين و امناء سر الاقطار والقيادة القومية نزولاً الى الرفاق الاخرين. وقد تم التعبير عن ذلك في كتاب في سبيل البعث للقائد المؤسس احمد ميشيل عفلق وخطبه ومقالاته وايضا كتابات وخطب الرفيق القائد صدام حسين والرفيق الامين العام عزة ابراهيم وكذلك كتب ومحاضرات مفكر البعث الرفيق الياس فرح ومثله الرفيق شبلي العيسمي وغيرهم اضافة الى المناهج الثقافية واصدارات الحزب الاخرى.

وقام مفهوم البعث على نظرية التركيب التاريخي الشامل الذي ينطلق من أن الاحداث العظيمة كانتشار الاسلام والفتوحات العربية وحمل الرسالة لم يأت بسبب عوامل اقتصادية لوحدها كما تُفسِّرها الماركسية اللينينية، ولا بعوامل دينية لوحدها كما فسرها الاخوان المسلمون، بل أن مجموعة عوامل رسالية دينية واقتصادية وقومية وشخصية تفاعلت حتى انتجت جيل الانقلاب والتغيير الثوري، ويصح ذلك في تحليل عوامل تاريخية مرت بها البشرية ماضيا وحاضرا وصولا للمستقبل .

الصلة الحية في مفهوم التاريخ والتراث:

هكذا كان مفهوم البعث ثوري حركي يستوعب التغيير والانقلاب ويرفض الجمود والتقليد ويهتم باقامة الصلة الحية بين ماضينا وحاضرنا وصولا إلى مستقبلنا .ان حزبنا حزب القومية والامة العربية في مرحلتها التاريخية التي تمر بها، قوامه حمل رسالة فكرية عقائدية سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية. ومع ايمانه بأهمية الدين والتدين في حياة الانسان، لكنه يرفض ان تلبس الامة لباس السياسة في الدين وتسيسه على حساب مصلحتها وتحقيق احتياجاتها وحل قضاياها ومشاكلها وتحدياتها التي تعانيها .

ما نود قوله أخيراً هو ان المتغيرات العالمية والإتجاهات والحركات التي تمر بها الشعوب تثبت كل يوم صحة نظرية البعث وفكره القومي الاشتراكي . فالعالم يعود اليوم ثانية للحديث عن الكتل البشرية وخصائصها المميزة وأهمية تعددها، وهناك دعوات للإنفلات من العولمة وشعاراتها، كما ويزداد الحديث عن دور الدولة القومية، وهو ما تحمله التطورات والاحداث الكبرى التي يشهدها العالم هذا اليوم  .

مكتب الثقافة والإعلام القومي

مشاركة المحتوى
Author: