الحرب الروسية الأوكرانية والأمن القومي العربي

  الحرب الروسية الأوكرانية

والأمن القومي العربي

 

منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي لم يشهد النظام العالمى الذي مرّ بتحولات استراتيجية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أزمة بعمق وحدّة الأزمة الروسية الأوكرانية الراهنة. والحقيقة فان هذه الأزمة ليست حدثاً مفاجئاً ولا هي وليدة الساعة ، إذ تعود جذورها الى حقبة الإتحاد السوفيتي الذي اعتمد في تشكيل جمهورية أوكرانيا  على عوامل متعددة بعضها طبقية وبعضها اثنية حيث يسكن البلاد أوكرانيون وروس وقوميات قليلة أخرى، مما ترك فيها أسباباً عميقة لعدم الإستقرار الداخلي. إلا أن قوة وموارد الدولة السوفيتية في حينها ساهمت في ضمان الوحدة الداخلية للبلاد .

 

وبعد تفكك الإتحاد السوفيتي نالت أوكرانيا استقلالها، حيث سادت ولفترة زمنية معينة علاقات مستقرّة بينها وبين دولة روسيا الاتحادية. إلا أنها داخليا، لم تحظ بالاستقرار المنشود، فقد بقيت تتجاذبها عوامل متضادة . فمن جهة تطلع فيها البعض وخاصة من جيل الشباب الى تحقيق نمط الديمقراطية السائد في الغرب، والخروج من الحقبة الشمولية التي سادت أبان الفترة السوفيتية. وبالمقابل يرى الآخرون أن الدولة الأوكرانية لم تحقق في ظل الديمقراطية الجديدة المزعومة الرفاه الإقتصادي والتنمية الموعودة. يضاف

 

 

إلى كل ذلك استمرار التجاذبات الأثنية والعرقية التي جمعها العهد السوفيتي لتزيد من عدم استقرار أوكرانيا بعد الاستقلال.

 

يعتبر الكثيرون ان العام 2014 هو البداية الهامة للأزمة الحالية، حيث حدثت اضطرابات داخلية مناهضة للرئيس الأوكراني حينها فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا والتي أدت إلى عزله.  ثم تطورت الأمور وأفضت الى اندلاع اضطرابات معاكسة في شرق البلاد التي تشمل المناطق الناطقة باللغة الروسية، و حدوث تطورات أدت إلى قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم ودعم إنشاء جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين .

 

وفي سعيها لتحقيق ما اعتقدته حكومة أوكرانيا ضمانة للإستقرار السياسي والأمني ، عملت على الإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ، مما فاقم المشكلات موصلاً بها إلى حدود خطيرة، باعتبار ان التوسّع بوجود قوات الناتو في أوكرانيا، وخاصة نشر أي صواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف المدن الروسية، هو بمثابة “خط أحمر” بالنسبة لروسيا لأنها تُشكِّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي، مما أدى إلى تفجير الأزمة وعلى نطاق واسع وخطير.

 

ولا نريد في هذا المقال الخوض في تفاصيل الأسباب وتطورات الأزمة اليومية، ولا في مكامن قوة أطراف الصراع أو الجوانب الأخرى له،  ولكن ما يهمنا هنا هو  علاقتها بالأمن القومي العربي.  فما هي أهم جوانب تلك العلاقة ؟

التداعيات على الأمن القومي العربي :

 

على الرغم من بعد المسافة الجغرافية بين مسرح العمليات في أوكرانيا ووطننا العربي، إلا ان تداعيات تلك الحرب على أقطارِنا العربية لابد وأن تلقي بظلالِها الثقيلة عليها إن آجلاً أم عاجلاً . وعلى الرغم من أن معظم الدول العربية تبدو حتى الساعة غير معنية بتلك الحرب بقدر كبير، إلا ان

 

خطورة وتسارع الأحداث تشير إلى أنه لابد لها من ذلك وبأسرع وقت . وذلك لما تنطوي عليه التداعيات من مخاطر وتحدّيات نوجِز بعضاً منها فيما يلي:

 

1-             إزدياد الحاجة الى الطاقة سواء النفط أوالغاز مما أدى إلى ارتفاع أسعارهما حيث تخطى سعر برميل النفط المائة دولار. وهذا يفضي إلى احتمالات  دعوة بلدان المنطقة المنتجة للنفط والغاز لتغيير معدلات إنتاجها أو الضغط عليها لتصدير كميات منها لتلك الدول المتأثرة جراء هذه الحرب.  بمعنى إن تطورات الحرب ومآلاتها قد تجعل الغرب والولايات المتحدة في مقدمته، تضغط باتجاه دعم الإنتاج وزيادته. ورغم الفائدة المادية التي تعود من جراء هذا الجانب على الدول العربية المنتجة، إلا إن ذلك له انعكاسات إقتصادية أخرى في الوقت نفسه ، سواء على دول المنطقة  كما على العالم، متمثلة في مخاطر التضخم من جهة، أو بالتدخل للمطالبة بتلبية أو منع وصول النفط إلى بعض الدول، مما يعني الإنغماس في تقاطعات الاستراتيجيات العالمية وتبعاتها .

 

2-            ان إيران الموجودة في الإقليم والتي تزعم العداء للغرب وترفع شعارات تصدير “الثورة”، يربطها تحالف استراتيجي مع الصين و روسيا منذ زمن ليس بالقصير.  وهي تنفذ مشروعها الاستعماري في العراق و سوريا ولبنان واليمن. وما فتئت تطعن بالخاصرة العربية عبر مشاطئتها لأقطار الخليج العربي ومحاولاتها المستمرة للعبور إلى ضفة الخليج المقابلة منذ احتلالها الجزر الإماراتية الثلاثة، والتي تعدتها إلى مد نفوذها لليمن عبر الحليف الحوثي، وزج (حرسها الثوري) في العراق وتحويله إلى قاعدة إيرانية متقدمة لتطويق دول الخليج  انطلاقاً من العراق واليمن، كما فعلت باستهداف المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتصدي للملاحة في الخليج العربي وغير ذلك من الممارسات العدوانية  لترسل رسالة تهديد مباشر للعرب بأن لها أذرع تصل إليهم متى شاءت.

 

3-            على العرب الإنتباه إلى أن إيران تسعى اليوم للإستفادة من إنشغال العالم بالأزمة الأوكرانية كي تمدد فترة التفاوض في ملفها النووي في فينا وذلك لكسب المزيد من الوقت والإستمرار في تخصيب اليورانيوم ، في إطار سعيها  لإمتلاك السلاح النووي. وكل ذلك على مرأى ومسمع  من الكيان الصهيوني الذي تشكِّل ايران اليد الضاربة له في الوطن العربي بسياستها العدوانية والتقسيمية الطائفية والتهجير والتغيير الديموغرافي واشاعة الفساد ونهب الموارد وغيرها، لذا نجده لم يتوقف عن تهديده المستمر المزعوم بضرب المنشات النووية الإيرانية. ذلك التهديد الذي لا يمثل في حقيقته أكثر من مجرد كلام لذر الرماد في العيون ، فهو يشبه إلى حد كبير مواقف الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كيمون ، الذي كان يكتفي بالإعلان عن  ” قلقه “  أزاء أي حدث جسيم يهتزّ له العالم.

 

 لذا فان التصدي لحقيقة تطورات ما يجري من مباحثات فينا مع إيران هو أمر يقع في صلب الأمن القومي العربي وبالتالي فإن المطلوب هو العمل العربي الحثيث للضغط على المجتمع الدولي للحيلولة دون بلوغ إيران أهدافها النووية المدمرة ، ومنع أن يكون أي اتفاق بينها وبين الغرب على حساب العرب من خلال إطلاق يدها لاستكمال مشروعها الإحتلالي في الوطن العربي.  ذلك المشروع الذي يشكل إستمرار احكام احتلالها للعراق حجره الأساس، باعتباره نقطة الإرتكاز الأساسية التي يستند عليها وينطلق منها هذا المشروع نحو الأقطار العربية الأخرى.

 

4- إن التطورات الأخيرة وتبعاتها تقتضي سياسة عربية في غاية الحيطة والحذر لمنع زج الأقطار العربية في صراعات بينية ودفعها لمحاربة بعضها البعض. فالعكس تماما هو المطلوب لحماية الأمن القومي العربي ألا وهو السعي للتخلص من بؤر الصراع أو التنافس، وغلق ملفات الفرقة  والتناحر حتى وإن اقتضى ذلك التنازل لبعضها البعض في بعض الملفات.

 

 

5- على ان ما يعنينا في الأمر بالدرجة الأولى كعرب قبل هذا وذاك هو التساؤل المشروع التالي :

 

(( كما استُنفِرَت روسيا للإنتصار لأمنها القومي، متى سيُستَنفَر العرب لصالح أمنهم القومي، وذلك بقيامهم بتحرير العراق من الإحتلال الإيراني القائم بكل مفاصله ؟ )) .

 

   ذلك الإحتلال الذي يهدد أمن الأمة العربية بالصميم لأنه يتخذ من العراق القاعدة الأساسية لانطلاق المشروع التوسعي لولاية الفقيه في الوطن العربي والذي اجتاح لحد الآن بعد العراق، سوريا ولبنان واليمن وهو في امتداد وتغلغل مستمر بقواه ” الناعمة ” وغير الناعمة  إلى أقطار أخرى.

 

  ان دعم الدول العربية للحركة الوطنية العراقية المناهضة للإحتلال الإيراني  هو ليس انتصار للعراق والعراقيين ، وانما هو إنتصار للأمن القومي العربي وحماية له ، تلك الحماية التي لا يستطيع أي حليف أجنبي أن يقدمها مهما بلغت الوعود التي يغرقها البعض للدول العربية حتى لو دفعت له كل أموال الكرة الأرضية ثمناً لتلك الحماية .

 

فالأمن القومي يأتي من الذات نفسها، أي من الداخل المحصَّن بوجه كل المنافذ والأبواب التي يدخل منها هذا النفوذ الإيراني مستغلاً الرخاوة والضعف والتساهل العربي، حتى استفحل وتغول في الساحة العربية.

 والداخل الأساسي هنا ، والذات الحقيقية هي ليست سوى العراق الذي من واجب العرب تحصينه ، من خلال تحريره الحاسم واعادته حراً، منيعاً الى أمته العربية . وليس إسناد هذا الطرف أو ذاك في ما يسمى بالعملية السياسية الإحتلالية التي لم تجلب للعراق ولا للعرب سوى الفساد والخراب، والتي فتحت أبواب العراق مشرّعة لاندفاع المشروع الايراني الى العمق العربي.

 

 

 فالعراق هو البوابة العملاقة التي يدخل منها النفوذ الايراني لينتشر ويتوسع في أرض العروبة، وغلق هذه البوابة بوجهه واعادتها منيعة حصينة، هو الضمانة الوحيدة لتحقيق أمن قومي عربي مستتب.

 

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال قيام الدول العربية باستنفار نفسها لدعم أمنها القومي من خلال إسناد الحركة الوطنية التحررية العراقية. فإلى متى يبقى العرب يتفرجون على الأمم من حولهم وهي تُستفز وتثب وثباتها الكبرى مستميتة في دفاعها عن أمنها القومي، وهم يتفرجون على بوابتهم الشرقية مفتوحة مشرعة على مصراعيها،  وحراسها الحقيقيون  من أبناء الحركة الوطنية العراقية والذين هم حراس الأمن القومي العربي الأصلاء ، يذبحون على محراب العروبة وليس لهم من نصير ؟؟.

 

 

 

مكتب الثقافة والاعلام القومي

9/3/2022

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة المحتوى
Author: