القيادة القومية : الوحدة العربية  تبقى الهدف الاسمى

القيادة القومية : الوحدة العربية  تبقى الهدف الاسمى

 

 اكدت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ان الوحدة العربية تبقى الهدف الاسمى الذي تناضل لاجله الجماهير العربية لانهاء كل اشكال استلابها القومي والاجتماعي.

جاء ذلك في بيان للقيادة القومية في الذكرى الرابعة والستين لاعلان الوحدة بين مصر وسوريا.

قبل اربع وستين سنة من هذا التاريخ ، كانت الامة العربية على موعدٍ  مع حدث تاريخي  تجلى باعلان الوحدة بين قطرين عربيين كانا وما زالا وسيبقيان يشكلان  قاعدتي ارتكاز لأي  مشروع عربي وحدوي .

لقد جاء الاعلان عن قيام الوحدة بين مصر وسوريا في الثاني والعشرين من شباط  من العام ١٩٥٨ في ظل مناخ شعبي عربي ، ارتفع منسوبه التعبوي مع ارتفاع حماوة المواجهة مع اعداء الامة المتعددي المشارب والمواقع ، من انطلاق ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي الى تأميم قناة السويس ،ومن  التصدي لما سمي يومذاك  “بحلف بغداد”، الذي اطلقته الولايات المتحدة الاميركية تنفيذاً لمبدأ ايزنهاور   الرامي الى ملء الفراغ في المنطقة بعد تهاوي ركائز النظام الاستعمار القديم الذي حاول استعادة حضوره عبر العدوان الثلاثي على مصر ،الى تنامي حالة الاستنهاض الجماهيري ضد الرجعية والديكتاتورية .

لقد استطاعت الحركة الثورية العربية بتعبيراتها الشعبية التي جسدها  حزب البعث العربي  الاشتراكي كحركة جماهيرية ، والناصرية كنظام سياسي وطني وضع مصر بكل ثقلها السياسي والشعبي في محور الاصطفاف القومي العربي المتصدي للتحالف الصهيو – استعماري وملحقاته الاقليمين والانظمة الرجعية التي تنفذ الاملاءات الاستعمارية على حساب حقوق الامة العربية في مقدراتها وفي حقها في تقرير مصيرها ، الى تحقيق اول وحدة في تاريخ العرب المعاصر ،كان مقدر لها ان تكون منطلقاً لعمل وحدوي اوسع .

ان حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي اعطى ارجحية معنوية لشعار الوحدة في ثلاثية اهدافه ، كان الحاضر الاكبر في التأسيس لهذا الانجاز الوحدوي  بين قطرين محوريين ، كما كان الحاضر الاكبر في توفير المناخات الجماهيرية والشعبية لثورة ١٤ تموز في العراق، مجسداً  ذروة الانسجام بين القول والفعل في مسيرته النضالية لاستنهاض الامة والوصول بها الى مستوى اقامة  المجتمع العربي الاشتراكي الديموقراطي الموحد. ولهذا ان يكون البعث عرضة للاستهداف المعادي من اعداء الداخل والخارج ، فهذا كان بسبب الدور الذي يضطلع به والمهمة التاريخية الملقاة على عاتقه خاصة بعد ربطه الجدلي بين هدفي التوحيد والتحرير الذي  لخصه  القائد المؤسس الاستاذ ميشال عفلق  بمقولته الخالدة.  “بقدر ما يقترب العرب من تحقيق وحدتهم بقدر ما يقتربون من تحرير الارض العربية من الاحتلال. فالوحدة هي الطريق لتحرير فلسطين ، كما تحرير فلسطين هو طريق الوحدة”. 

من هنا كان استهدف البعث فكراً وتنظيماً وممارسةً نضالية ، يندرج ضمن الاستهداف العام للامة العربية . اذ ان كل  عدوان من الخارج كان  يستهدف الامة ،وكل تخريب للبنية المجتمعية العربية وتماسك نسيجها ، كانت شظاياه  تطال الحزب باعتباره جزءاً  عضوياً من تكوين الامة العربية بكل منظومتها القيمية وموروثها التاريخي بكل المعطى الايجابي الذي انطوى عليه.

ان القوى المعادية للامة التي تلقت ضربات موجعة من خلال الارتقاء بالنضال العربي الى مستوى تحقيق الوحدة الفعلية ، واسقاط حلف بغداد وتوفير بيئة شعبية عربية حاضنة لثورة الجزائر ، لم تغادر الغرف السوداء التي تحاك فيها المؤامرات ضد الامة وقواها الثورية الوحدوية ، مستفيدة من  تعدد ادواتها وقدراتها على التخريب واقتناصها للسلبيات التي برزت ابان حكم الوحدة ، فكان ان حصل الانقضاض عليها الذي تزامن مع انحراف ثورة ١٤ تموز عن  مسارها الوحدوي التحرري . وفي كلتا الحالتين اصابت  النكسة  الامة بقدر ما اصابت الحزب صاحب الدور البارز في انجاز الوحدة وثورة تموز.

ان الحزب الذي استشعر عمق الاثر السلبي على الامة العربية من جراء الانفصال وانحراف ثورة تموز  عن اهدافها ، اعاد تنظيم صفوفه واستحضر المخزون النضالي الكامن في ذات الامة من اجل اعادة تصويب الوضع العربي بالاتجاه الذي يخدم المسار النضالي ببعديه الوحدوي والتحرري. ولهذا لم يتأخر الوقت طويلاً ،حتى عادت  الامة لتكون مع موعدي اسقاط حكم قاسم في العراق ، وحكم الانفصال في سوريا.

 ان هذا الانجاز النوعي الذي تحقق  ، دفع القوى المعادية لان تطور من اساليب تآمرها ضد الحزب وهذه المرة من داخل صفوفه عبر رعاية وحماية قوى التخريب والتآمر من كان محسوباً من حلفائه ومن قوى الردة في داخله. ولهذا كانت ردة ١٨ تشرين الثاني ١٩٦٣ في العراق ، وردة ٢٣ شباط في سوريا ، بمثابة هجوم معاكس من قبل القوى المعادية للامة العربية ومشروعها الوحدوي النهضوي ، بغية اعادة الامور الى مرحلة ما قبل الوحدة  واجهاض   النتائج السياسية والتعبوية التي افرزها اسقاط  دكتاتورية قاسم وحكم الانفصال. 

ان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، التي اعتبرت ان الوحدة هي الهدف الاسمى الذي يتقدم بارجحيته المعنوية على الاهداف الثورية الاخرى ،لم يكن يخامرها ادنى شك ، بان هذه الامة التي واجهت تحديات كبيرة واستطاعت تجاوز تداعياتها وانعكاساتها السلبية على الواقع القومي ،ستتجاوز  النتائج السلبية التي ترتبت عن ردتي تشرين في العراق  وشباط في سوريا ،  ستطل على  نفسها والعالم  بحدث يجسد حجم الا مآل المعلقة على ولادة معطى نضالي جديد تجد الامة نفسها فيه بعد مخاضها العسير الذي ارخى ظلاله الثقيلة عليها على مدى عقدين من الزمن .

ان الحدث العظيم الذي كانت الامة العربية وجماهيرها على موعد معه ، كان ثورة ١٧-٣٠ تموز من العام ١٩٦٨ . هذه الثورة التي اعادت الاعتبار لمشروع النضال القومي بأبعاده الوحدوية ومضامينه التقدمية التحررية ، لم تشكل رداً على كل اشكال الردة على الحزب وشرعيته وحسب بل شكلت رداً على الانتكاسات القومية التي تعرضت لها الامة  وابرزها نكسة حزيران ١٩٦٧.

ومن لم يقرأ جيداً الاهمية التي انطوت عليه معطيات ثورة تموز المجيدة  ١٩٦٨، قرأها  من خلال ردة فعل القوى المعادية للامة عليها ، التي ما أن افصحت هذه الثورة  عن مرتكزات مشروعها السياسي بكل ابعاده  ، حتى ُوضعت  ضمن دائرة الاستهداف المعادي من الداخل والخارج. وضمن سياقات هذا الاستهداف لهذه الصرح النضالي ، ُجندت قوى التخريب الداخلي وقوى الشعوبية التي استحضرت كل مخزون عدائها التاريخي ضد العروبة ، وقوى التحالف الصهيو – اميركي والمنفذين لإملاءاته من قوى الرجعية العربية ، لأجل ضرب البؤرة الثورية التي حملت لواء مشروع متكامل الابعاد للتحرير القومي  والتغيير الاجتماعي وصولاً لإنهاء كل اشكال الاستلاب القومي والاجتماعي. 

لقد فرض على الثورة ان تخوض صراعاً شاملاً على اكثر من جبهة ، من الجبهة الغربية مع العدو الصهيوني الى الجبهة الشرقية مع  نظام الملالي في ايران ، ولما لم تستطع القوى المعادية من اسقاط الثورة ونظامها السياسي ، اندفعت اميركا على رأس تحالف دولي لاعلان الحرب على العراق بأشكالها الاقتصادية والعسكرية  واحتلاله بعد حصار ظالم استمر لثلاثة عشر عاماً وبمشاركة وتواطؤ من النظام الرسمي العربي. 

وكما لم تكن فلسطين مستهدفة لذاتها وحسب ، من جراء اغتصابها واقامة كيان عنصري على ارضها يكون فاصلاً  بين شطري الوطن العربي ، فإن استهداف العراق من العدوان المتعدد الاطراف والاشكال ، لم يكن لذاته وحسب ، وانما الاستهداف في كلتا الحالتين هو للامة العربية من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي. 

واذا كان اغتصاب فلسطين جاء  انفاذاً لمقررات مؤتمر كامبل بانرمان ١٩٠٥-١٩٠٧، للحؤول دون تواصل الجغرافيا العربية ، فإن احتلال العراق  واسقاط نظام ثورته القومية ، حصل لكي يكمل بنتائجه احتلال فلسطين وليحقق الانكشاف القومي الشامل للامة ، حتى تتمكن قوى الاقليم المعادية من النفاذ الى العمق القومي ، والعبث بأمن المجتمع العربي  وتقويض ركائز استقراره الوطني والسياسي والاجتماعي.  فلولا اسقاط العراق كياناً وطنياً ونظاماً تقدمياً ، لما استطاع النظام الايراني التغول في العمق العربي ولما استطاع النظام التركي ملاقاة نظام طهران في احتلاله للأرض العربية وتدخله في الشؤون الداخلية ،ولما استطاع الكيان الصهيوني اغراق الاراضي العربية المحتلة  بالمستوطنات   واختراق العمق العربي بعلاقات تطبيع مع العديد من الانظمة العربية التي  باتت تستقوي به ضد الجماهير كما هو حاصل في استقواء الزمرة العسكرية في السودان ضد الثورة الشعبية التي تشكل اليوم  ايقونة الحراك الشعبي العربي ضد نظم الاستغلال والتبعية والارتهان للخارج الاقليمي والدولي والتوريث السياسي والتأبيد السلطوي وقمع الجماهير ومصادرة الحريات العامة. 

ان هذا الذي تتعرض له الامة العربية  من اشكال متعددة من العدوان ما كان ليحصل ، لو لم تحاصر وتضرب نقاط القوة السياسية والشعبية في الامة ، وما كان ليحصل لولا حالة التجزئة والتمزق في الواقع العربي. فالأمة تبرز قوية بتوحدها ، وتنتهك ارضها  وتستباح كل محرماتها في حال تفككها وتلاشي الروابط الوحدوية فيها.  وهذا ما يفرض على القوى الثورية في الامة ان تعيد تصويب الامور باتجاه تحديد مصادر الخلل الفعلي في البنيان القومي الذي  يتمثل بواقع التجزئة القائم  والضغط عليه للنزول به تحت سقف ما هو قائم لإعادة صياغة خرائط كيانية وسياسية ترتسم حدودها  بارتسام  حدود الطوائف والاقليات الاثنية والجهويات المناطقية والقبلية. 

من هنا ، فإنه وفي هذه المناسبة ، مناسبة الذكرى الرابعة والستين لقيام اول وحدة فعلية في التاريخ العربي المعاصر ، فإن انتصار الامة على اعدائها على اختلاف عناوينهم ، لا يكون الا بالعمل الوحدوي على مستوى الموقف والاليات العملية.  ففي الوحدة  تنصهر الامكانات العربية وتحشد في مشروع متكامل للمواجهة، وبالوحدة تقفل بوابات العبور المعادي من مداخل الوطن العربي الشرقية والشمالية ، وبالوحدة تتوفر لفلسطين وقضيتها وثورتها حاضنتها القومية الدافئة  ويسقط نهج التطبيع الذي تمادى في الآونة الاخيرة، وبالوحدة تتكامل فعاليات الانتفاضات الشعبية  في فلسطين  والعراق  السودان ولبنان في كل ساحة تشهد ثورة وحراكاً ضد الدكتاتورية ومنظومات الفساد .

ان القيادة القومية لحزب العربي الاشتراكي ، وفي الذكرى الرابعة والستين لقيام وحدة سوريا  ومصر والتي كان للحزب دوراً محورياً في تحقيقها ، تدعو الى استعادة مضمون  الخطاب القومي الذي ساد عشية اعلان الوحدة ، داعية القوى الوطنية والتقدمية العربية بكل عمقها الشعبي الى تطوير صيغ علاقاتها والارتقاء بها الى مستوى تحقيق الوحدة الشعبية وعلى ارضية برنامج سياسي وحدوي الابعاد تقدمي المضمون وبما يكنها من تحقيق الامتلاء النضالي والسياسي الذي يضع حداً لحالة الفراغ التي تستغل القوى المعادية معطياتها للنفاذ الى العمق العربي.

واذا كانت الوحدة التي تمر ذكرى اعلانها الرابعة والستين هذا العام قد شابتها ثغرات وسلبيات ، فان تعثرها وسقوطها بحكم موازين القوى التي عملت واصطفت ضدها لايعني انها حاصلة من خارج السياق الطبيعي للتوق الوحدوي الذي يخالج الشعور الجمعي للامة ، وعليه فإن الدعوة للوحدة يجب ان تبقى دائمة الحضور في مسار النضال العربي الوحدوي.  فوحدة العرب هي القاعدة التي يبنى عليها  والثابت التاريخي المتشكل منذ تبلورت الشخصية القومية للامة  ، والتجزئة هي الاستثناء  الطارئ على  حياة العرب. 

وحتى لا يتحول الطارئ والمؤقت  الى ثابت في حياة الامة ،  يجب العودة الى الاصول والجذور التاريخية لوحدة الامة العربية   المتحققة بالقوة ، ومطلوب تحققها بالفعل  من خلال تراكم العمل الوحدوي.

تحية للذين اطلقوا الاعلان الوحدوي قبل ٦٤ عاماً  ولروادها حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادته التاريخية وعلى  رأسها القائد المؤسس الاستاذ ميشال عفلق  والحركة الناصرية وقائدها القومي جمال عبد الناصر .

عاشت الامة العربية ، وعاشت اهدافها الثورية في الوحدة والحرية والاشتراكية. 

المجد والخلود لشهداء الامة العربية والخزي والعار لكل الخونة والعملاء والمتآمرين.

 

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

في ٢٠٢٢/٢/٢٢

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة المحتوى
Author: