قصة عروس الثورات من الأسباب.. الى التخطيط المتقن والتنفيذ العزوم

قصة عروس الثورات
من الأسباب.. الى التخطيط المتقن والتنفيذ العزوم

د. وحيد عبد الرحمن

الثورة هي التغيير الجوهري والجذري الشامل والمتكامل لأهداف وتفاصيل القيم والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بنمط آخر تفرضه ظروف التغيير ومعطياته. وهكذا كان المراد من ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958. ولكن وكما هو معلوم فان هذه الثورة انحرفت عن مسارها الوطني والقومي، وعن أهدافها التي حددها ثوارها، فتفرد عبد الكريم قاسم بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، وعطل تأسيس المجلس الوطني لقيادة الثورة الذي كان قد اتفق عليه من قبل تنظيم الضباط الأحرار، ولم يسمح بانتخاب مجلس نواب، فأصبح دكتاتورا سمى نفسه بالزعيم الأوحد، وشكل محكمة المهداوي التي أصدرت أحكام جائرة بحق الضباط الاحرار ابطال ثورة 14 تموز وبحق ثوار انتفاضة الشواف في مدينة الموصل، في شهر آذار من عام 1959م لتكون ذريعة لتصفية المعارضين والثوار والوطنيين الأبرار بتلفيق التهم ضدهم، فصدرت أحكام الإعدام على عددٍ منهم ، وزج البعض الآخر في السجون.

كما أنه فسح المجال للحزب الشيوعي بالاستحواذ على أغلب مرافق الدولة الأساسية، والعبث بأمن الدولة من خلال ميليشيا ما سمي ب (المقاومة الشعبية) التي عاثت في الأرض والعباد فساداً وقمعاً وقتلاً وتعذيباُ، فارتكبت تلك الجرائم، بل المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية فأسست للعنف لاول مرة في العراق الحديث، كما حدثت في مدينتي الموصل وكركوك وغيرها حتى وصل بهم الحال الى قتل الأبرياء وحتى النساء وتعليقهن على أعمدة الكهرباء. ناهيك عن وقوف الشيوعيين والشعوبيين كحجر عثرة أمام أي تقارب عربي، او حتى السماح بنطق كلمة القومية العربية، كي لا يصار الى التفكير بأمل الأمة في الوحدة العربية، فعزل العراق عن محيطه العربي وقطعت علاقات العراق الدبلوماسية مع عديد من الدول العربية.

واستمر هذا الحال المفروض على الشعب والمرفوض منه، حتى بدأ التخطيط للإطاحة بهذا الحكم الدكتاتوري المقيت من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي تسانده كافة القوى الوطنية والقومية وقطاعات الشعب الواسعة. ولعل أهم ما تحقق في مرحلتي التخطيط والتنفيذ للثورة هو في ذلك التلاحم الحي والتنسيق الدقيق بين قوى الثورة من العسكريين الأبطال ومن المدنيين الثوار الذين حمل بعضهم شارة الحرس القومي لاحقاً.

لقد تعددت الاحداث التي تجسد الغليان الشعبي الذي استمر منذ عام 1959 وحتى 1963 وكان من بينها الاضراب الشامل والعام للطلبة الذي قاده شباب الاتحاد الوطني لطلبة العراق خلال عامي 1962 – 1963، واحداث ما عرف بـ (اضراب البانزين) أثر ارتفاع سعر البنزين.
فقد ساهم هذا الحدث الهام وغيره من تضحيات الشعب الكبيرة، في بدئ التخطيط المبدع لتفجير الثورة، فكانت خطة متكاملة الأركان، دقيقة الحسابات، ومتقنة في التعاطي مع عوامل التوقيت والأسلوب والوسائل وآليات التنفيذ.

استند التخطيط على عنصر المباغتة. فمن المعروف ان قاسم كان يعتمد اقصى درجات الانذار والحذر اثناء الليل وفي أيام العمل العادية. لذا قررت قيادة الثورة اعتماد العكس للتنفيذ اي ان يكون في يوم عطلة وفي وضح النهار.

وكان الموعد المخطط الأصلي هو ثاني أيام عيد الفطر، الا ان تعقيدات مفاجئة حدثت استدعت تقريب الموعد فتم اختيار صباح ذلك اليوم الشتائي القارص من يوم الجمعة في منتصف شهر رمضان، وأغلب الناس نيام بعد ما اعتادوا عليه من السهر في الليلة الرمضانية التي تليها عطلة الجمعة. فذلك ينعكس حتماً على الخدر الذي يصيب حراس السلطة في ذلك الوقت، بينما الثوار من العسكريين الأبطال ومن الشباب المدنيين في أعلى نشاطهم لينفذ كلاً منهم المهام المرسومة له بكل دقة. وبالفعل حقق هذا الاختيار أعلى درجات مبدأ المباغتة. كما تم التركيز على تبني مبدأ الكتمان بأعلى سماته، فلم يتم الإبلاغ عن الهدف أو التوقيت، إلا لعدد محدود جداً من الثوار.
هنالك في مناطق الأعظمية والمأمون وجسر الخر، يتأهب الشباب الثائر، بينما يتأهب الأبطال من أبناء القوات المسلحة في معسكر أبي غريب وقاعدة الحبانية الجوية ومعسكر الورار في الرمادي وقاعدة الرشيد بانتظار ساعة الصفر التي تم الاتفاق عليها عند الاستماع الى إذاعة البيان رقم واحد لينطلق الجميع كلاً باتجاه هدفه وفقاً للخطة العسكرية الموضوعة. ومن المعلوم ان العسكريين لديهم سياقاتهم المعروفة وقواعد الاشتباك المألوفة، وهم ليسوا بحاجة إلا لتأمين متطلبات مرحلة الاستحضارات، ومن ثم تحديد المهام وتوقيتات التنفيذ.

أما الثوار الشباب فقد تشكلت منهم لجان عديدة، منها لجنة الإنذار، المراقبة، الحماية، ولجنة الاقتحام، لتعمل جميعها بتنسيق دقيق، وبتوقيتات متلاحقة. ففي مرحلة الاستحضارت تم تفعيل لجنة الإنذار لإجراء ممارسات

لإنذار الجهاز الحزبي والتأكد من مواقع تواجدهم ومدى التزامهم بتنفيذ المهام التي قد توكل إليهم دون أن يعلموا عن سبب تلك الممارسات.

أما لجنة المراقبة فكانت تتألف من مجموعة من الشباب الذين أوكلت لهم مراقبة تحركات العناصر الأمنية والعسكرية المؤيدة لعبد الكريم قاسم والعناصر الشعوبية، لضمان التعامل معهم في ساعة تفجير الثورة، وكانت مهمة تأمين متطلبات حماية التجمعات الحزبية على عاتق لجنة الحماية. أما لجنة الاقتحام فهي التي كانت مهمتها اعتقال بعض الضباط الذين من المحتمل أن يجابهوا الثوار في صباح يوم الثورة. وتم تحديد المهام التفصيلية لفرق الرفاق كل باتجاه الأهداف المرسومة لهم، وبالأسلوب والوسيلة والنمط الذي يحققوا به مهامهم وفقا لطبيعة الظرف والموقف والمفاجآت التي قد تعترضهم.

وقد تم اعتماد وتوزيع كلمة سر للتعامل بها بين الثوار واعتقال كل من يتواجد في مناطق مسؤوليتهم ممن لا يعرف هذه الكلمة. واتخذ النادي الأولمبي في الأعظمية مقراَ لتجمع الثوار من المدنيين للانطلاق منه لتنفيذ المهام في صبيحة يوم الثورة، بينما اتخذت كتيبة الدبابات الرابعة في معسكر أبي غريب مقرا للثوار العسكريين للانطلاق منها لتنفيذ الثورة التي ابلغ الجميع من المدنيين والعسكريين بأن ساعة الصفر هي التي تلي سماعهم للبيان رقم واحد الذي سيتم اذاعته من مرسلات ابي غريب بعد قطع البث عن الإذاعة المركزية في الصالحية. انه التنسيق الدقيق والعميق في فحواه ومبتغاه.. وتلك كانت أهم الفقرات التي تضمنتها مرحلة الاستحضارات والاستعدادات في الخطة المعدة لتفجير الثورة.

وها هو الصباح الرمضاني الشتوي قد بزغ على الثوار وهم على أهبة الاستعداد والشوق والترقب للاستماع الى البيان. وهناك في معسكر ابي

غريب انطلق رتل من كتيبة الدبابات الرابعة، ليحتل محطة الارسال فيباشر الفنيون بقطع البث عن الإذاعة المركزية في الصالحية، ويبدأ اعلان البيان رقم واحد في الساعة التاسعة وعشرين دقيقة بذلك الصوت الجهوري (أيها الشعب العراقي الكريم) إيذانا وأمرا للجهات المدنية والعسكرية كافة بالبدء
في تنفيذ المهام الموكلة لهم. وصادف أن قطع التيار الكهربائي في ذلك الصباح عن منطقة الاعظمية فلجأ الثوار الى (الراديو الترانزستر) والى رفع مستوى صوت المذياع من السيارات لكي يسمع المواطنون البيان ، ثم انطلق الثوار من النادي الأولمبي كل باتجاه هدفه بأسلحتهم التي كانت قد وزعت عليهم ، بينما استفاد الرفاق في منطقة المأمون من مكبرات الصوت في جامع المأمون لبث البيان، بذات الوقت الذي سيطروا فيه على مركز شرطة المأمون وعلى جسر الخر لإعاقة أي تحرك عسكري مضاد باتجاه ابي غريب.

وما أن استمع ذلكم الضباط الطيارون الأحرار الثلاثة المتهيئون قرب طائراتهم حتى أقلعوا بها ليمروا أولا فوق محطة الارسال للتحية والاشارة بأنهم تسلموا الإشعار، ثم اتجهت احداها من طراز هوكرهنتر لقصف مبنى وزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم الذي كان يتواجد فيه، بينما توجهت الطائرتان من طراز ميغ 17 الى معسكر الرشيد لمنع أي طائرة من الاقلاع والتصدي لها واستهداف مدرجات اقلاع الطائرات.

وفي الساعة الحادية عشرة صباحا تحركت ثلاثة ارتال من كتيبة الدبابات الرابعة من معسكر أبي غريب، الأول باتجاه معسكر الرشيد لاحتلال اللواء 19 الذي كان يعتقد عبد الكريم قاسم انه قوته الضاربة حيث كان آمره قبل ثورة 14 تموز 1958، واتجه الرتل الثاني لاحتلال الإذاعة المركزية في الصالحية، أما الرتل الثالث فكان هدفه مهاجمة وزارة الدفاع وتم تعزيزه بالفوج الآلي الثاني.

وتمكنت الأرتال الثلاثة من تحقيق أهدافها كافة بعدما تم تعزيز القوة المهاجمة لوزارة الدفاع من الفوج الثالث من لواء المشاة الثامن الذي قدم من معسكر الورار في الرمادي لتطويق وزارة الدفاع حيث تم ذلك وجرى استسلام من كان يسمي نفسه الزعيم الأوحد ليعود العراق بعد هذه الثورة
العملاقة الى الفضاء العربي بعدما سعى الشعوبيون وبشتى وسائل القمع ابعاده عن امته العربية فباشرالعراق بعد هذه الثورة المعجزة ممارسة دوره كجزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير.

ستبقى الروح الاقتحامية والشجاعة الفذة التي تميز بها قادة و ثوار 8 شباط منارة للأجيال في مواجهة الإستبداد والعنف والجبروت مهما طغى. وسيبقى نجاحها بالأمس في إعادة العراق لحاضنتِه العربية الأمل الذي ينير درب ثوار اليوم لإعادة العراق الى وطنه العربي الكبير ليمارس دوره الذي يليق به وبشعبه الشجاع الأبي.

مشاركة المحتوى
Author: