من أجل بناء فكر قومي متماسك مَنْ يوجِّه مَنْ: ثوابت الفكر النظري أم متغيرات الخطاب السياسي (ج2)

من أجل بناء فكر قومي متماسك مَنْ يوجِّه مَنْ:

ثوابت الفكر النظري أم متغيرات الخطاب السياسي

(ج2)

حسن خليل غريب

4- من أهم مميزات النظرية القومية أنها نتاج فكري حديث للوقاية من ديكتاتورية الدولة ايّاً كانت أسسها

لكي تنجح النظرية في التعبير عن واقع الحياة الدنيوية بدقة وتضع أنجع الحلول لمشاكله، وتحقيق افضل سبل مواجهة تحدياته، ولضمان تطور الفكر والمجتمع ومواكبة حركة الزمن ، فإن كل ذلك يتطلب وجود المرونة والتجديد المستمر فيما يتطلب التجديد. وهذا يحتم الابتعاد عن وجود عامل الإلزام بالحلول، التي يتم التوصل اليها او الدعوة لها، من دون نقاش مهما كانت بواعثه، لان في ذلك تغييب حق الرأي الآخر في الإفصاح عن نفسه، وبغيابه تغيب الحرية ، وهذا يعني غياب للديموقراطية. وغيابها يعني استحضار للديكتاتورية تحت اي مسمى كان.

وفي العصر الحديث تطورت نظرية الفكر القومي في أوروبا نتيجة لعدة عوامل واسباب كان من بينها تلبية حاجة المجتمعات الأوروبية في مواجهة عالمية الكنيسة التي كانت، تحت شعار توحيد العالم المسيحي، تبتز المجتمعات الخاضعة لسلطتها، وتفرض عليها قوانينها وتشريعاتها وتجمع الضرائب تحت مسميات الواجبات الدينية للفرد تجاه المؤسسة، من دون أن تتلقى تلك المجتمعات مردوداً اجتماعياً، أو فائدة خدماتية. لذا انطلقت الدعوة إلى القومية أولاً من تلك المجتمعات التي وعت حقيقة الأمر، وقد وجدت تلك الدعوات خلاصاً من المشاكل التي نجمت عن سلطة عالمية الكنيسة وأمميتها من خلال الدعوة إلى القومية.  ومن بعد تلك المرحلة، واستجابة للمتغيرات التنموية والتطورات العلمية والتقنية والاقتصادية في الحياة الواقعية التي فرضت حتمية وجود فكر قادر على تلبية متطلبات العصر المتطورة ، اضافة الى الاستجابة لواقع التعدديات الدينية والمذهبية في العالم، توسَّع الفكر العالمي في وضع أسس لنظام سياسي تقوم دعائمه على مبادئ مدنية الدولة بحيث تستجيب لمصالح كل التعدديات الدينية حيثما وُجِدت.

ومن الضرورة هنا أن نشير إلى توضيح الإلتباس الحاصل لدى البعض في الحركة النقدية التي تزعم أن مدنية الدولة تقف في صف العداء للإيمان الديني، هذا إذا لم تتهمها بالإلحاد، وتُسقط عليها أحكام التكفير.  لذا فإننا نشير هنا إلى ضرورة التمييز بين تشريعات مدنية تحفظ وحدة المجتمع وتعالج مشاكله وتفاصيل قضاياه الدنيوية المتغيرة باستمرار، وهي ذات مضمون اجتماعي سياسي واقتصادي، وبين الإيمان الديني الروحي كاستجابة لحاجات روحية عند الفرد وتلبية لنزعة تفسير الكون ومصير الإنسان بعد الموت، وتنظيم العلاقات الاخلاقية والتعاملات البشرية وغيرها.

وبمثل هذا الفصل نستطيع تحييد مبدأ مدنية الدولة  من وزر إقحامها في موقف لا تحتمله، ونبعدها عن متاهات التكفير او التقاطع مع الايمان، لأنها معنية بمعالجة القضايا الإقتصادية والسياسية والتقنية المتغيرة  للمجتمع وتنظيم علاقات أفراد المجتمع المتنوع الإنتماءات الدينية، فوظيفتها دنيوية، وهذا ما ليس له علاقة ولا يتقاطع مع مسألة الخيارات الدينية، التي هي حاجة روحية خالصة، يختار طريقها الفرد.

 فالنظرية القومية، تعبر عن حقيقية واقعية في العلاقة بين أفراد ومجموعات لتلبية أكثر من حاجة تشكل اللاحم القومي بينها، اضافة الى أن نشأتها كنظرية كانت بناء لحاجة سياسية، واجهتها الكثير من المجتمعات العالمية كما هو المجتمع العربي الذي يشكل جزء اساسي من هذا العالم سريع التطور الذي نعيش فيه ، يتفاعل معه ويؤثر فيه ويتأثر به وبمتغيراته.

وهكذا فقد كانت النظرية القومية، قد أجابت على إشكاليتين كبيرتين. فمن جهة تضمن إيجاد قوانين وتشريعات واحدة تستجيب لمصالح التعدديات المختلفة في المجتمع الواحد و التي تشكل قاعدة لبناء مجتمع قومي متآلف، كما أنها تضمن سيادة العدالة والمساواة لكل مواطني الدولة بشتى جوانب الحياة. فكانت الدعوة إلى الدولة المدنية فيها هي الصيغة المثلى لتوفير حلولٍ لكثير من القضايا ومنها علاقات الأديان والطوائف المتعددة التي تتشارك في وطن واحد، وهي ما تسمى وحدة منظومة الحقوق والواجبات .

 ومن جهة اخرى ضمنت ايجاد الآليات والأطر الفكرية والعملية والمرونة المطلوبة لمواجهة سرعة المتغيرات العصرية والتطورات المجتمعية واستيعابها لمصلحة المجموع بكفاءة عالية.

 

5- ثوابت الفكر القومي تميِّز خصوصيات المجتمعات القومية وتحترمها

لقد وجدت المجتمعات المختلفة في النظرية القومية ملاذاً آمناً لشتى أطيافها المختلفة التي تتكون منها، بما فيها الدينية والمذهبية. ولهذا فقد لاقت الدعوة إلى القومية العربية انتشاراً كبيراً. اضافة الى ذلك فقد شكلت النظرية القومية استجابة منطقية وعلمية للعلاقة بين طرفي معادلة التراث والمعاصرة في التاريخ العربي والزمن الراهن وساهمت بتحقيق التوازن المطلوب والذي هو شرط لابد منه لتوفير الثقة بالنفس وهي العامل الأساسي الذي لابد من توفره لدى الأجيال الصاعدة في اية أمة والتي تسعى الى تحقيق وحدتها وتحررها ونهضتها.

 وقد اضفى التُراث  عموماً على المجتمعات القومية خصوصياتها. ومن هنا فقد اضفى تراثنا الغني الزاخر بالعناصر الايجابية خصوصية على مجتمعنا القومي العربي، وبالتالي فقد ساهم في تشكيل قاعدة الخصوصية القومية. أما تحديث القوانين والتشريعات وعصرنتها ووضع المعالجات اللازمة لمواجهة ما تمر به من تحديات وبما يلبي حاجات الأمة العربية المتطورة في عالم متغير، فهذا يتطلب انفتاحا على العصر واستيعاب متغيراته ومواكبتها في عملية مستمرة وحثيثة وكجزء ضروري من أجل استكمال وضع نظرية فكرية قومية متوازنة مع التحديث والعصرنة.

 

6-  الخطاب السياسي القومي جزء مكمِّل للثوابت القومية معبِّر عنها ومتقيِّد بمضمونها

ان المحك الحقيقي لنجاح أي فكر نظري هو النزول من النظرية إلى التطبيق، فالهدف النهائي هو ان ينتفع به البشر من خلال تطبيقه على ارض الواقع، وإذا كان فكراً جديداً يهدف إلى نقل المجتمع الموجَّه إليه إلى ضفة التغيير، فان هذا التغيير بلا شك يمكن أن يحصل بقفزات سريعة، بل يتم بنقلات متدرجة بحيث يتقبله المجتمع شيئاً فشيئاً، وقد تمر أجيال عديدة ليصل التغيير إلى حدود واضحة ومنظورة .

وكي لا تكون المواجهة شديدة تؤدي إلى رفض عميق للتغير مهما كان مطلوباً، يلعب الخطاب السياسي دوراً أساسياً في التمهيد لتقبله من خلال احداث نقلة نوعية تعقبها نقلة نوعية اخرى. على أن يكون مدروساً ومتقناً، بحيث يحقق توازناً يعدّ في غاية الأهمية والحساسية في آن واحد، فلا يصطدم مع الثقافة القديمة الشعبية السائدة من جهة، ولا أن يجاريها بالمطلق في استسهال التقرب إلى الجماهير من أجل كسبها على حساب المبادئ الثورية والقومية ومتطلبات المعاصرة، من جهة اخرى .

 

7- الثوابت القومية بوصلة تصوِّب اتجاهات الخطاب السياسي

قبل كل شيء، ولكي يساعد الخطاب السياسي في التغيير الفعلي، لا بدَّ من أن يمتلك،  وضوح الرؤية في الجوانب التالية :

  • أن تشكل الثوابت الفكرية القومية بوصلة للخطاب السياسي، ولا يجوز التعتيم على مضمونها.
  • من أهم الثوابت القومية يأتي البرهان على صحة مضمون الفكر القومي وأهميته في بناء الدولة العصرية.
  • من ثوابت الفكر القومي أيضاً أن يحصر همّه بتأسيس كل ما له علاقة بتنظيم حياة المجتمع القومي المادية والاجتماعية، وأساسهما العدالة والمساواة بين المواطنين كافة. وأما خياراتهم الروحية فهي شأن من شؤونهم الفردية لا يجوز أن يتدخل الفكر القومي فيها وكذلك الدولة القومية، بل تأكيد احترام تلك الخيارات، من معتقدات وطقوس خاصة بكل دين أو مذهب، وحمايتها، وأن لا تتدخل الدولة إلاَّ ضد ما يمس سيادتها ويمس وحدة المجتمع القومي الذي تقوده وأمنه وسلامة مواطنيه.

 

مشاركة المحتوى
Author: