أرضية النِضال العربيّ وَطنيّة وسقفه قوميّ

أرضية النِضال العربيّ وَطنيّة

وسقفه قوميّ

حسن خليل غريب

في هذه المرحلة الأسوأ في التاريخ تجتاح الوطن العربي هجمة تغريبية بربرية تحالفت فيها القوى الدولية والإقليمية من أجل سلخ العرب عن هويتهم الجامعة، وذلك لغرس فيروسات التفرقة والتشتت، لتسهيل عمليات احتوائها، والسيطرة عليها وذلك بإضعاف مناعة الانتماء إلى هويتها العربية، والهوية هي السمة الإنسانية التي تميَّز كل شعب من الشعوب فتعتزُّ بها وترعاها.

تنازع على الوطن العربي، منذ آلاف السنين الغابرة، الشرق والغرب مما عرفته أحداث التاريخ بالفرس والروم، ولكن على الرغم من أن مفاهيم التكوين الوطني لم تكن سائدة في تلك المراحل، عجزت الغزوات الاستيطانية من كلا الطرفين عن فرسنة المنطقة أو فرنجتها. وعندما خضعت لموجات الاستيلاء الفارسي والتركي في مرحلة ما بعد البدء في تكوين هوية لها في العصر العربي – الإسلامي، عجزت أيضاً عن فرسنة المنطقة أو تتريكها.

وهذا ما يثير التساؤل مرة أخرى، هل تستطيع أية قوة، في المرحلة التغريبية الراهنة، أن تحقق مراميها في تنفيذ مؤامرة التغريب؟

للوصول إلى أجوبة أقرب ما تكون إلى اليقين لاستنادها الى الادلة الواقعية، علينا أن نستعرض مفاهيم التغريب والتعريب التي سبقت هذه المرحلة، والتي أصبح من المعروف أنها كانت تتوزَّع على ثلاثة مفاهيم، وهي:

قطرية ضيقة، كما حددتها مقاييس اتفاقية سايكس – بيكو.

 أممية حالمة، كما حددتها مقاييس الفكر الماركسي، التي تبناها الاتحاد السوفياتي .

قومية، كما حددتها النظريات القومية العربية بعد الحرب العالمية الاولى.

وأما الآن فقد دخلت إليها مفاهيم جديدة أفرزتها مرحلة ما بعد العام 2003، وهي مرحلة تنفيذ مشروع ما يسمى “بالشرق الأوسط الجديد”، وهي:

 مفهوم الدويلات الدينية الطائفية، أي إعادة الدولة القطرية العربية إلى مرحلة ما قبل بناء الدولة الحديثة. وهذا المفهوم صاغه نظرياً برنارد لويس، المفكر الصهيوني، وعملت الأمبريالية الأميركية على تنفيذه، بواسطة مشروع “الشرق الأوسط الجديد.

مفاهيم حركات الإسلام السياسي: وهي التي تعمل على تأسيس الدويلات الدينية الطائفية. كملحقة بمشروع “الشرق الأوسط الجديد” والمستفيدة منه.

إن من يراقب الحراك الدولي والإقليمي على ساحة الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، في هذه المرحلة، يرى من المشهد كل ما هو شديد الألم. وهذا ما قد يُفهم منه أن الأمة العربية، ووضعها السياسي سائرة إلى الزوال. وهو ما يزرع الإحباط في نفوس كل من لا يقرأ التاريخ عبر حركتين :

 إحداهما بارزة، وهي تلك الوقائع السوداوية، التي قد لا تُبشِّر بأمل اذا تم النظر اليها بمعزل عن العوامل التاريخية الاخرى.

 والأخرى، غير منظورة وهي تلك الحركة العربية الداخلية التي تتفاعل من خلال الفكر وعلم النفس والاجتماع، والتي تؤكد أن ما يجري ليس أكثر من متغيِّر مرحلي.

وعن هذا، لقد ألمَّت بالوطن العربي، وقائع تاريخية مؤلمة، من احتلال وتدمير ونهب واستعباد، بدأت بغزو الإسكندر اليوناني، وأرتحششتا الفارسي، وهولاكو المغولي، والحملات الأوروبية الصليبية، والتي استمر البعض منها قروناً طويلة. وإذا قرأنا مصير تلك الغزوات، لوجدنا أنها انتهت، وعادت الجيوش الغازية مرغمة إلى بلادها، وبقيت الأرض ثابتة لم تتغيَّر، من جهة، وكانت حركة سكانها لا تكل ولا تمل تنشد الاستقلال من جهة أخرى.

إن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن الغزوات عبارة عن متغيرات لن تدوم، وإن الأرض ثابتة لن تتغيَّر، وإرادة سكانها في طرد الغزاة ثابت أساسي. وإننا من خلال هذه المعادلة نستنتج، في هذه المرحلة، مجموعة من الدلالات الحقيقية، والتي على اليائسين أن يأخذوها بعين الاعتبار.

وإننا استناداً إلى معادلة الغزوات الخارجية كمتغير، والأرض كثابت لن يتغيَّر، يمكننا وضع التصور التالي لمستقبل الوطن العربي، والأمة العربية، من خلال تحليل الغزوات الخارجية، كوقائع وأطماع، فماذا نستنتج؟

من دلالات مصير الغزوات عبر التاريخ التي اندحرت كلها، ومن قراءة مصير الغزوات الراهنة من جهة. ومن قراءة للحركة الفكرية العربية المستترة والمعلنة من جهة أخرى، نستنتج أن ما يدور حالياً من غزوات، لن تكون أفضل مصيراً من سابقاتها.

ومن المفيد أن نذكِّر أن الحقائق الأزلية هي سجية من سجايا البشر التي لن تدعهم يستسلمون للأمر الواقع مهما بلغت شراسته. ولأن طبيعة الإنسان المخلوق على حب الحرية، والدفاع عن وجوده، لن تلين أمام وقائع المتغيرات الطارئة في حياة الشعوب، ولن تستكين أمام المتغيرات التي

 تحدثها الغزوات لأنها تتنافى مع حقائق الطبيعة البشرية. ولأن الحرية ثابت من أهم ثوابت الوعي الإنساني، وهي طبيعية مخلوقة فيه، فهي لن تتعايش على الإطلاق مع المتغيرات التي تحدثها الغزوات في حياة الشعوب، ومن أهمها الاعتداء على حريتها في العيش الكريم، وفي حريتها على تشكيل أنظمتها على أرضها الوطنية.

من تلك المعادلات، لا تحتاج الأمة العربية إلى الكثير من الجهد في استحضار تراثها الحضاري والكفاحي والفكري السابق، وبالاستعانة بما تراكم من فكر معاصر، لوجدنا أن لديها تراكمات كثيرة من كل ذلك، تراثي وحديث ومعاصر. وإن ما تحتاج إليه هو نفض الغبار عنها، كما إعادة تخليص الذهب من التراب العالق به ليظهر معدنه الحقيقي. ونفض الغبار عن إرادة الشعوب التواقة إلى الحرية، هو أحد المهمات الأكثر إلحاحاً التي تقع مسؤولية إبرازها على الفكر العربي، وإعادة عصرنتها باستمرار لتلامس مدارك الشريحة الأكبر من ابناء الامة.

وهنا ، يمكننا إيجازها بما يلي:

  • الكشف عن خطورة المخططات الخارجية بمضامينها الثقافية وآليات تنفيذها، خاصة منها التي تستغل أمراض المجتمع العربي كالقبلية والعشائرية، التي وإن كانت تعد عوامل أساسية في تكوين المجتمع الوطني في مرحلة ما قبل الفكرة الوطنية الحديثة، إلاَّ أن إعادة إحيائها في ثوب قومي سيحول دون إعادتها إلى مرحلة ما قبله من تناحرات بين القبائل والعشائر. وأما مرض الطائفية، وصراعات الطوائف الدامية، فقد أثبتت وقائع التاريخ كم كانت خطيرة بفعل استقواء الطائفيين بالخارج على أبناء مجتمعهم الذين يسكنون أرضاً واحدة.
  • الكشف عن خطورة الظاهرة الطائفية، التي من أهم مخاطرها أنها تعمل على تفتيت المجتمع الوطني الواحد، وإنها تشكل عامل اقتتال دائم  بين المذاهب الدينية، لأن من أهم تلك المخاطر أن تعتقد كل واحدة منها أنها تمتلك الحقائق الإلهية أكثر من غيرها. وتزداد خطورتها كلما حسبت كل طائفة منها أنها مكلَّفة إلهياً بالتبشير بها، وإنه لا يمكن لنفس بشرية أن تضمن خلاصها في الآخرة عن غير طريقها، لأنها تعتبر نفسها المؤمنة الوحيدة الناجية من النار، وأتباع غيرها من الكفرة والملحدين.
  • تقديم البراهين الحقيقية على أهمية الروابط بين مجتمع وطني واحد، التي تقوم على المساواة والعدالة بين شرائحه كافة، من دون تمييز أو تفضيل. وإن مقاييس استلام الحكم، في الدولة الوطنية، تقوم على قواعد الكفاءة والنزاهة، وليس على قواعد المحاصصات الطائفية والمذهبية. وإن قواعد النزاهة والكفاءة، هي وحدها التي تلغي قواعد الطائفية التي تنص على أن ( أشرار قومنا أفضل من خيار قومهم).
  • وإذا رست قواعد الوطنية على أرضية المجتمع القطري العربي، تُعدُّ ساعتئذٍ الطريق السليم لبناء وطن قومي عربي سليم. ولهذا نحسب أن الوطن القومي العربي ضرورة توحيدية لكل قطر من الأقطار التي قسمتها اتفاقية سايكس – بيكو، وذلك لأنها حاجة لتكامل اقتصادي ودفاعي وعلمي بين شتى الأقطار. وهذا ما يشعر بأهميتها كل العرب من خلال الوضع الميداني السائد، تاريخياً وراهناً.

نتيجة لكل ذلك، يُعتبر الكشف عن خطورة المشاريع الدولية – الإقليمية، التي يتم تنفيذها الآن، ضرورة شعبية عربية. وذلك لأن هذه المشاريع موبوءة بالاحتيال والكذب والإغراءات في ظاهرها، وفي بواطنها السم الزعاف. وإن انكشاف خطورة تلك المشاريع يؤدي إلى إحباط كل مخطط خارجي، سواءٌ أكان يحمل للقوى الداخلية المرتبطة به، إغراءات اقتصادية، أم كانت الإغراءات طائفية ومذهبية.

إن المتربصين بالأمة، قوى دولية وإقليمية، عاجزين عن أن يبلغوا مآربهم إذا لم يستخدموا وسائل التوافقات بينهم على الرغم من أن أهدافهم الاستراتيجية متناقضة، كما هو حاصل في هذه المرحلة. ولكن ما يجمعهم هو تقارب الأهداف المرحلية. وأكثر مثال دلالة على ذلك، هو التحالف الذي يربط الرأسمالية الغربية ذات الأهداف المادية مع حركات الإسلام السياسي ذات الأغراض المغلفة باغلفة الدين.

وإذا كان ما يجمع هؤلاء هدف الاستيلاء على وطننا العربي قطراً قطراً، فكم هو حريٌّ أن تجتمع أقطار الوطن العربي في وحدة تجعل منهم قوة كبرى تواجه التحالفات الشاذة، وتحبط أهدافها. وهذا يؤكد أن الوحدة في هذه المرحلة حاجة لكل العرب، على الرغم من وجود التناقضات المرحلية فيما بينها، وهو ما يجعلهم محصَّنين في أمنهم الدفاعي والسياسي والاجتماعي في مواجهة التحالفات الشاذة التي غايتها اجتثاث وجود الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

إن معركة العرب اليوم معركة وجود، وعندما يضمنون وجود الأمة، يمكنهم أن يعملوا على تصحيح علاقاتهم البينية من جهة، وأن يعمل الشعب العربي كل في قطره، على تصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة أخرى.

وإذا كانت المشاريع المعادية في هذه المرحلة، تستهدف تفتيت الأمة إلى كيانات ما دون القطرية، أي تقسيمها إلى دويلات طائفية تغرق في صراعات دموية لاحقاً، أو تستهدف إلحاق تلك الدويلات سواءٌ أكان بمحاور إقليمية طائفية، أم بمحاور دولية طامعة بثرواتها، فلتكن أهداف العرب المرحلية والاستراتيجة: (إن أرضية النضال وطنية وسقفه قومي عربي).

 ولهذا نناشد التيارات الوطنية ذات الافق القطري أن تمنع تمرير المخططات التي تعمل على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وذلك بإعادة تفتيت القطر الواحد إلى مجموعة من الدويلات الطائفية. كما نناشد التيارات الاخرى ذات ” الافق الاممي ” بأن ينطلقوا بأفكارهم من اعتبار الوحدة العربية سقفاً لهم، لأن من لا يبني سقفاً له يقيه من المخاطر، فإن أعجز من أن يبني مجتمعاً أممياً سليماً.

مشاركة المحتوى
Author: