التعليم الجامعي في العراق في ظل الحكم الوطني بقيادة البعث

التعليم الجامعي في العراق

في ظل الحكم الوطني بقيادة البعث

 بقلم طارق العربي

 

مازالت أصداء فضيحة التزوير لعشرات آلاف الشهادات الجامعية، لاسيّما في مرحلتي الماستر والدكتوراه، التي اكتشف أمرها مؤخرا حيث كانت تمنحها بعض الجامعات الخاصّة المحسوبة على قوى سياسية نافذة في لبنان إلى منتسبين عراقيين بينهم وزراء ونواب وموظفون كبار في وزارة الخارجية وغيرها من الوزارات والإدارات الحكومية التي باتت تحكم هياكلها عناصر محسوبة على نظام الاحتلال بحكوماته المتعاقبة منذ إسقاط النظام الوطني في العام ٢٠٠٣ وصولا إلى اليوم. 

هي فضيحة لم تكن خارج التوقّعات المنتظرة لكثير من المتابعين لتطورات المسار العراقي في أعقاب الإحتلال الأمريكي وفي ظل الأتيان بعناصر جديدة إلى السلطة الحاكمة،  هي عناصر أتت مدفوعة بالكيدية والثأرية الحاقدة على تجربة الحكم الوطني التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي لمدة قاربت الخمس وثلاثين سنة كانت حافلة بالانجازات النوعية على المستويين الوطني والقومي .

المراقب الموضوعي لانجازات البعث العلمية والتطوير العلمي لا سيّما في مراحل التعليم العالي،  هذا المراقب يضع برسم الوطنيين العراقيين والأحرار في الوطن العربي، حقيقة التجربة العلمية التي عززها النظام الوطني،  والتي وصلت لتكون تجربة سجّلت سبقاً على العديد من الدول،  حتى أنّها جعلت جامعات العراق تتبوء مركزاً متقدماً بين العديد من جامعات العالم.

لقد  جسدت القيادة الوطنية العراقية فكر البعث المنفتح على العصر والتوّاق الى التطور والحداثة ، فأدركت منذ الأساس،  أنّ العلم يمثّل حجر الزاوية في عملية النهوض والتطوير وتوظيفاتها الإيجابية مع حاجات المجتمع العراقي إلى التنمية البشرية والمجتمعية والاقتصادية المستدامة فرفعت القيادة بشأن مشروعها العلمي التطويري الشعارات  التالية :

– لا للرسوب في العراق.

 النجاح إمكانية كامنة في كل تلميذ وطالب علم

 لن يكون في العراق أي وجود للأمية في ظل ثورة تموز المجيدة التي يقودها البعثيون.

– مجانية التعليم

– الزامية التعليم

– الزامية تعيين الخريجين.

 

وبخصوص التعليم العالي أكّدت السياسة التربوية الوطنية على تعزيز المستوى العلمي لحملة الشهادات الجامعية. وفي خطوة نوعية اعتمدتها سائر حكومات العهد الوطني بين ١٩٦٨ – ٢٠٠٣ ، تمثّلت بتخصيص ما يفوق على ٨ % من إجمالي الناتج القومي لخدمة قضايا البحث والتطوير،  وفي ظل مجانية التعليم كانت الجامعات العراقية ترسل آلاف الطلاب من المتفوقين علمياً إلى أرقى جامعات العالم للأطلاع على أحدث الأبحاث العلمية في كافة التخصصات ولا سيما التكنولوجيا والإقتصاد والطب والهندسة والعلوم على اختلافها،  فكانوا يتعمقون بمضامينها ومناهجها ويسجلون النتائج التي وصلت إليها هذه الأبحاث ويحملونها إلى العراق لاعتماد مايلائم منها لحاجات التطوير العلمي في العراق.

وفي خطوة غير مسبوقة في الوطن العربي وفي بلدان العالم الثالث بشكل عام ، قامت سياسات الحكم الوطني ببرامج استيعاب جميع الخريجين الجامعيين من عراقيين وعرب يتابعون تحصيلهم الجامعي في العراق في سوق العمل في إطار خطط معدّة سلفاً من قبل وزارة التخطيط. وكانت الحكومة الوطنية قد أصدرت قانوناً يقضي بإلزام كل خريج جامعي بالعمل داخل العراق لمدة خمس سنوات على الأقل، مع تقديم تسهيلات مهمة له في مجال السكن والتأثيث والنقل وغير ذلك من الأمور  التشجيعية.

وفي الوقت الذي لا يتسع لاستعراض كل المنجزات في هذا المجال يكفي ان نشير الى انه أثمرت الاستراتيجيات التي قادها البعث منذ نهاية الستينات  والمشار إليها، زيادات هائلة في أعداد الخريجين اعطت نتائجها في السنين اللاحقة، فعلى سبيل المثال في الفترة بين ١٩٨٠ – ١٩٩٠ بلغ عدد الخريجين لمختلف مستويات الدراسة ابتداء من الدبلوم الفني إلى الدكتوراه سنوياً الأرقام  المبيّنة في الجدول التالي :

شهادة الخريجين       معدل العدد السنوي

 دبلوم فني            ٢١٦٥٥٦

 بكالوريوس            ٣٠٧٩٨٠

 دبلوم عال            ١٣٢٩٥

 ماجستير              ١٢٩٥١

 دكتوراه               ١٢١٩٧

____________________

المجموع               ٥٥٢٩٩٩

 

استراتيجية أخرى ذات دلالة تعكس مدى إهتمام فكر البعث التنموي وسياسات الحكم الوطني التي جسدته، بقضية تحفيز الإبداع ورعايته  في كافة العلوم وخاصة للعناصر المتفوقة من الطلاب والأساتذة و الباحثين،  وقد شمل ذلك :

  • تقديم مُنَح غير مسبوقة لدعم البحث العلمي والباحثين في الجامعات العراقية
  • تشجيع ودعم التأليف والنشر العلمي وعلى نفقة الدولة
  • تأسيس مجلس البحث العلمي
  • جوائز هيئة تكريم العلماء من فئة (أ) و (ب)
  • نوط الأستحقاق العالي الذي شمل المنجزات العلمية
  • جائزة الأستاذ الأول على صعيد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
  • وسام الجامعة لتكريم الأستاذ الأول في كل جامعة عراقية
  • تكريم اصحاب الاختراعات
  • تكريم المتقاعدين من التدريسيين في يوم العلم
  • تكريم الحاصلين على مرتبة الأستاذية في يوم العلم

 

وكل من مجالات التكريم هذه وغيرها الكثير، تضمنت امتيازات معنوية ومادية كبيرة كما وان البعض منها لم تكن للعراقيين فقط وانما شملت الاخوة العرب ايضاً.

 

وممّأ تجدر الإشارة إليه في هذا المجال، أنّ الأعداد الهائلة من الخريجين كانت مستوعبة في سوق العمل، الأمر الذي جعل العراق ينفرد بالبطالة الصفرية أي  بصفر في المئة قبل فرض الحصار غير المسبوق في آب ١٩٩٠. 

وثمّة ميزة أخرى للعراق فوق كونه بلدا خال من البطالة في مرحلة ما قبل الحصار الخانق، هي أنّه كان بلداً جاذباً للعمالة العربية من جميع أقطار الوطن العربي. فعلى سبيل المثال لا الحصر،  فخلال التنمية الأنفجارية التي تم اطلاقها في اواسط السبعينات من القرن الماضي، قفزت العمالة المصرية في العراق خلال خمس سنوات فقط بين ١٩٧٥ – ١٩٨٠  من ٣٤٢٠٠٠ عاملا ثم إلى ٤٢٤٠٠٠ عاملاً عام ١٩٨٥ وبنسبة استيعاب ٣٥ % من إجمالي العمالة المصرية في الخارج وبذلك تكون هذه العمالة قد تضاعفت أكثر من ٦٠ مرة في غضون عشر سنوات بين ١٩٧٥ – ١٩٨٥ ولتشكِّل تحويلات الاخوة المصريين في الخارج ثالث مورد للإقتصاد المصري بعد قناة السويس و السياحة الآثارية.

ومن الجدير بالذكر ان فكر البعث القومي الوحدوي الذي فتح أبواب العراق امام العمالة العربية، لا سيّما المصرية منها، كان حريصاً على التمييز بين الشعب العربي وبين بعض الأنظمة العربية. فعلى الرغم من مقاطعة العراق للنظام المصري بسبب مواقف هذا الأخير من قضية فلسطين بعد زيارة السادات للقدس في ت٢ ( نوفمبر ) ١٩٧٧، والتي مهّدت لتوقيع اتفاقية ” كامب ديفيد” مع العدو في   آذار( مارس) ١٩٧٩، الّا ان ذلك لم ينعكس سلباً على العمالة المصرية في العراق. فنظام البعث في العراق، وتجسيداً لهدف الوحدة العربية التي تمثل اولى اهدافه الاستراتيجية، اعتمد مبدأ التكامل القومي في مجال العلاقات العربية – العربية بين ابناء الأمة ، الأمر الذي وفّر بيئة ملائمة لانتقال العمالة العربية الوافدة إليه من سائر أقطار الوطن العربي.

وعلى صعيد آخر كان نظام البعث الوطني في العراق يسعى دائماً  إلى خلق مؤسسات عربية فوق قطرية تعزيزاً لمسيرة التكامل العربي وبما ينسجم مع أهدافه القومية في قيام ركائز المجتمع العربي الموحّد كخطوات عملية نحو إقامة دولة الوحدة العربية.

  وإذا كان هناك من دوافع عديدة للاحتلال الأمريكي للعراق فإنّ الدافع الأبرز هو ذلك المشروع القومي الوحدوي الذي التزم به العراق كأيدولوجية عقيدية وكخيار استراتيجي في سلوكه وتوجهاته،  هذا المشروع القومي الوحدوي كان باستمرار محارَباً من القوى المعادية الخارجية والداخلية، وما تزوير الشهادات بالآلاف لعناصر عراقية مجنّدة في أجندات الميليشيات الحاكمة فيه الآن إلاّ دليلا على مدى الإنخراط في سياسات هدّامة وممنهجة لمحو إنجازات التجربة الوطنية التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي،  وهي تجربة ستبقى راسخة في الذاكرة الوطنية العراقية وكذلك في ذاكرة الأمة العربية و عصية على المحو والإلغاء مهما تكالبت قوى الاستعمار الخارجي وعملاء الداخل عليها .

مشاركة المحتوى
Author: