هويّة العِراق الوَطنيّة وبُعْدها العَرَبي الى أين وَصَلت؟ .. عودَتها هي الحل ج2

هويّة العِراق الوَطنيّة وبُعْدها العَرَبي

الى أين وَصَلت؟ .. عودَتها هي الحل

(الجزء الثاني)

سرور مرزا  محمود

تشكلت دولة العراق الملكية عام1921، فوجدت الشارع العراقي فى معظمه يغط فى الجهل والأمية، والقلة منهم عندهم تعليم تقليدى. سعت الدولة في مراحلها الاولى الى استعادة الهوية الجامعة للمجتمع العراقي، فقد تولت الدولة الجديدة مهمة تطوير العلاقات بين الجماعات المختلفة، التي اصبحت تعيش أزمة هوية بسبب المخلفات من التغريب الثقافي والاجتماعي من جهة، وبينها وبين الدولة من جهة اخرى.

 اقدمت الدولة الملكية بإنشاء الجيش وسمحت فيه لكل شرائح المجتمع العراقي بالإنظمام له رافعة شعار الوطنية في تكوينه، لم تغب حقيقة التنوع الذي يتسم به المجتمع العراقي عن الملك فيصل الاول الذي قدم قبل وفاته بفترة وجيزة تحليلاً يشوبه بعض التشاؤم للمشكلة التي تواجه العراق، فقد أعرب عن استيائه من انه ” في العراق… لا توجد وحدة مليّة عند الشعب العراقي ، وانما كتل من البشر الخالين من أي هدف وطني، والذين لا يربطهم رابط مشترك، ويميلون الى الفوضى، ويظلون مستعدين باستمرار الى الثورة ضد اي حكومة، مهما كان لونها”.

 في تلك الفترة وما تلاها برز تيار فكري على الساحة الوطنية يسعى الى استعادة تشكيل الهوية العراقية شارك فيها بعض من الشخصيات العسكرية،

 

 تحت لواء الثقافة والأنتماء العربي، و تيارالإخوان المسلمين، وبدأت الهوية الإسلامية تطل من جديد، وظهرت الهوية الكردية، وبدأت المؤسسات ذات الطابع الغربي تأخذ دورها في العمل لبناء الدولة المدنية والعصرية، مضطرة الى الخضوع لاشكال مختلفة من الحكم السلطوي احياناً. وهكذا كانت بداية الاحزاب التى كانت قيادتها من العلمانيين.

 وفى أوائل القرن العشرين تكون حزب الأستقلال، وهو أول حزب ينادى بالهوية الوطنية، وحقق وهو إبان الحكم الملكي، موافقة الأمة بمسلميها ومسيحييها على تجاوز الهوية الدينية، والتمسك بالهوية العراقية التى تمت استعادتها وتحققت لأول مرة فى العراق في التاريخ المعاصر. وبدأ الشعب يتمتع بحرية لم يعهدها من قبل، وعلى الرغم من الاختلافات ضمن المجتمع العراقي الّا انه لم تؤثر الطائفية والهويات الثانوية دون ممارسة والشعور بالوطنية في العلاقات المجتمعية، مما شكل وقعًا كبيرًا على نفوس العراقيين الذين شعروا بالفخر، أولا لكونهم أصبحوا أمة مستقلة نوعا ما، وثانياً لإدراكهم بامتلاك حضارة كبيرة قادرة على خلق كل هذا الجمال والألق، وهو ما جعل الكثير يتجه صوب اختيار الهوية الوطنية.

وتميّزت الحقبة الزمنية اللاحقة، أي النصف الثاني من القرن العشرين، بطروحات فكرية وبحركات سياسية يغذّي بعضها المفاهيم عن الوطنية والعروبة والدين، و الإبتعاد عن تلك التي لا تجد في فكرها الآحادي الجانب أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة.

بعد عام 1968 تولى حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان فكره و قيادته من العلمانيين، مسؤولية الدولة. واصبحت وحدة القومية العربية والحرية والاشتراكية الأيديولوجيا الرسمية للدولة. وشكل اطاراً وطنياً من انشاء رابط بين المواطن والحكومة وذلك عبر نظام مؤسساتي وسياسي يضمن مستويات عديدة من اجل تسهيل التفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مستعيناً بالهويات والمؤسسات المحلية لتعزيز تطوره وتطور اطار عمل لنسيج عراقي واحد من خلال الاعتراف بالحكم الذاتي للأكراد في المناطق التي يسكنونها. وسعى الى إنشاء وتعزيز مجتمع مدني اكثر نشاطاً في تحقيق توهين الهويات الطائفية وتشجيع تطوير قطاع الاعمال التعاوني والخاص، واستمر انبعاث الهوية القومية العراقية والتي يغلب عليها الطابع القومي العربي.

من المعلوم بان ساسة ايران منذ مجيء الخميني الى الحكم في ايران اتخذوا من الطائفية والتوسعية دعامتين كانتا تغشيان سياساتها الخارجية. ادرك العراقيون بمن فيهم البسطاء من الشيعة ان ايران لايهمها العراق ولا الشيعة ، وان من يحكم ايران ليسوا رجال دين حقيقيين بل هم ايرانيون توسعيون ومتعصبون قومياً، وبقى العراقيون متمسكون بوحدة العراق على رغم اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والثقافية، وظلت الثقافة العراقية هي الاقوى من الثقافات الفرعية الاخرى بل ازدادت رسوخاً كلما تعرض العراق الى خطر اوتهديد. هذا بالرغم من وجود التدخلات الأجنبية والاقليمية التي سعت لتفاقم المشكلة الكردية وعدم استكمال حصول الاكراد على حقوقهم القومية.

قامت الولايات المتحدة الامريكية عام 2003 بغزو دولة مركزية في النظام العربي هي العراق واحتلاله، وعانت مدن العراق خلال الغزو من ضرر كبير أصاب البنى التحتية والإقتصاد، فضلاً عن عمليات النهب والسرقة التي حصلت بسبب انعدام الأمن، علاوة على ما نشر حول سماح القوات الأمريكية بسرقة الوزارات والمنشآت الحكومية وعدم منع سرقة وتخريب الممتلكات وخاصة المتحف العراقي التاريخي الذي نُهِبَت مقتنياته الشاهدة على حضارة العراق التي تعود الى ما قبل التاريخ.  وسعت الى استهداف مؤسسي ومجتمعي استثنائي للعلمانية والمواطنة الجامعة مما ادى الى ظهور سريع للهويات الطائفية وترسيخها، وادى الى تهديم الدولة من الداخل وتغييرها وتفكيك هياكلها بغية عودة المجتمع العراقي الى مكوناته الأولية الدينية والمذهبية والعرقية والتي سرعان ما لجأت الى هوياتها الفرعية السابقة لنشوء الدولة الوطنية، كالقبلية والجهوية والمذهبية واصبحت تتحكم بالخيارات السياسية لمختلف الأطراف، وافرز الاحتلال انهيار الدولة، ووضع المجتمع العراقي امام تحديات صعبة، مما ساعد بدفع بعض ابناء المجتمع للإبتعاد عن فكرة الوفاق الوطني والإتجاه نحو ثقافة الانتقام والقتل، وغاب المشروع الوطني وتشكل نظام المحاصصة الطائفية والعرقية والقومية، مما ساهم في تصدّع الهوية الوطنية الجامعة وسيادة الهويات الطائفية عليها.

 سنحت فرصة ايران للسيطرة على العراق بعد الغزو الأمريكي الذي تعاون معها قبل الغزو وجرى تسليمها مفاتيح الحكم وتولّي شؤون الأمن والإقتصاد والتجارة، فتغلغلت في كل مفاصل الدولة العراقية عبر الجماعات السياسية الطائفية، وانشأت العشرات من المليشيات، وزرعوا ثقافة الموت والعنصرية والطائفية والكراهية بغية تفتيت العراق وابقائِه ضعيفاً، من اجل ان يتمزق فى النهاية بين هويات طائفية وعرقية.

لكن العراقيين لم يستكينوا لما حصل لبلدهم، “ونهض من صميم اليأس جيل جبار عنيد” كما قاله الجواهري في احدى اشعاره، فهبوا في الاول من تشرين الاول لاستعادة العراق ورفعوا شعاراً بليغاً هو ” نريد وطن”، عبر ميادين المحافظات الجنوبية وبغداد، وسط إعجاب الكثيرين ليجعل العراقيين في لحظة تاريخية، يتسامون فوق الاحتقان الطائفي والطبقي والسياسي الذي عانوا منه. فالاحتجاجات نجحت في إذكاء جذوة الهوية الوطنية العراقية ورفع الوعي الوطني العراقي الى درجات عليا، وهذا الوعي سوف يساهم في تعزيز قوة العراق واستقلاله وتماسك شعبه، فالمعركة طويلة وامامها الكثير لكي تصل للدولة المستقلة وذاتيتها الحرة.

ستبقى الهوية الوطنية في العراق نتاج لعراق واحد، تعبّر عن مجموعة بشرية بينها مشتركات وروابط، لتخلق نوعاً من الحميمية بين الدولة وسكانها، يعيش أفرادها تحت كنف الأمة المستقلة القوية بأساليب سلطة الدولة  التي تعني في فحواها ضمان التضامن وتوطيد أواصر الأخوة وترابط الشعب اجتماعياً وجغرافياً وعرقياً، فلا يمكن ان نعزل الهوية الوطنية عن عادات واعراف الشعب المكتسبة، كما لا يمكن ان نبعدها عن التعاليم السماوية والعروبة والأمة العربية. وعندئذ تنشأ هوية انتماء إلى الدولة وكيانها السياسي والجغرافي.

وطالما ان ثورة تشرين قد حركت ثورة نفسية في العقل والمُثُل والجينات الموروثة وايديولوجية الحياة، قبل أى تغيير حقيقى فى حياتها وكيانها ومصيرها، ثورة في الشخصية، فقد كان ذلك شرطاً لتغيير شخصية وكيان ومستقبل العراق، فان ما يحتاجه العراق، هو هوية عراقية واحدة تجمع كل أبناء الوطن بانتمائه العربي، بغض النظر عن الدين واللون والعِرْق، وهذا لا يتعزَّز الا بدولة قوية وسلطة تسيطر في جميع ارجاء الوطن ومختلف اوجه الحياة فيها، مستعينين بأمثلة من التاريخين القديم والحديث ، بما تشمله من قادة اقوياء كحمورابي في العهد البابلي والقادة والمهارات العسكرية التي تمتع بها الاشوريون والحكم العباسي في بداياته. لأن الوطن الذي يتمسك بقوميته ويحافظ على هويته وخاصة بثقافته الحضارية المبنية على العادات المتوارثة والتقاليد الأصيلة مع تبني المعاصرة والتطوير بعيداً عن الإنطواء والرجعية، هو الذي يخطو الخطوة على طريق بناء الوطن بعيدًا عن الصراعات المذهبية والعٍرقية والأفكار التى دفنت منذ زمن بعيد فى العالم المتقدم. و يعتبر ذلك بمثابة الإقرار الصادق عن الحقيقة الإنسانية المعاصرة لهذا الوطن، وبأننا كنا نتقدم حين نكون صفًاً واحدًا تحت علم الوطن العراقي بهوية عراقية.

 فانهض ايها العراقي، فالعراق يناديك وهو يتطلع الى الامام، ومن الله التوفيق.

مشاركة المحتوى
Author: