الأهمية الجيوستراتيجية لمحافظة ديالى

الأهمية الجيوستراتيجية لمحافظة ديالى

 

د. وحيد عبد الرحمن

 

لو نظرنا الى صورة خارطة العراق لوجدناها ترمز الى (دلّه القهوة العربية)، وهكذا هو حال العراق بأهله الكرام ومضايفه العامرة عبر التأريخ. ولا غرابة من أن يكون شعب العراق في المراكز الأولى ضمن التقرير العالمي الذي أصدرته مؤسسة المساعدات الخيرية (CAF) من خلال المسح الذي أجرته مؤسسة غالوب في 146 دولة في الكرم ومساعدة الغرباء بالرغم من المعاناة والشدة التي يعيشها شعب الذرى منذ الاحتلال الأمريكي الغاشم وقبله فترة الحصار الظالم وحتى يومنا هذا.

في هذه الخارطة نجد ان حدودها الشرقية مقعرة في محافظة ديالى لتشكل الخاصرة الهشة للعراق والقريبة من العاصمة بغداد التي كانت حاضرة الدنيا وستبقى بعون الله ما دام شعبها الصابر الصامد المحتسب لم ولن يخضع لإرادة الاحتلالين الأمريكي والإيراني بالرغم من طول أمد العذاب والقتل والتهجير والفقر والمرض ومحاولات التجهيل وفقدان أبسط مستلزمات ومتطلبات الحياة الكريمة.

ورحم الله تعالى أبو جعفر المنصور الذي بالرغم من أنه لم يأل جهداً في اختيار التصميم الأساسي لمدينة بغداد  الذي اعتبر إنجازاً تاريخياً فريداً في التصميم الحضري للمدينة المدورة، وبالرغم من اختيار صلابة الجدران والأبواب الأربعة في اتجاهاتها المختلفة لضمان صعوبة اجتيازها، وبالرغم

 من أن اختيار موقعها على ضفاف دجلة الخالد قد أعطاها مزايا اقتصادية وجمالية ودفاعية، الا أن المشكلة الأساسية في هذا الاختيار والذي ظهر لاحقا عبر العصور المتلاحقة، أنها الأقرب الى تلك الخاصرة الرخوة في حدود العراق الشرقية، وما يتبع ذلك من مخاطر في استهدافها من قبل أشرار الشرق.

والتاريخ يحدثنا عن عدة هجمات فارسية عبر العصور وعن حصار الفرس لها بقيادة نادر شاه عام 1733، أما التأريخ المعاصر فيحدثنا عن القذائف الصاروخية التي كانت تطلقها ايران لاستهداف بغداد خلال الحرب الإيرانية العراقية، مثلما كانت ايران تركز في هجماتها لعبور الحدود العراقية التي يبلغ طولها 240 كيلومتر مع محافظة ديالى لتحقيق الاختراق باتجاه بغداد باعتبارها اقصر الطرق. فبغداد لا تبعد عن محافظة ديالى سوى 57 كيلومتر ولا تزيد عن الحدود مع إيران عن المائتي كيلومتر.

 وديالى هي العراق المصَغَّر الذي يضم العرب والاكراد والتركمان بمدنها المختلفة، أما قراها العربية فتضم العديد من العشائر العربية الأصيلة كعشائر المهداويين وآل قيس والعزة والمجمع والتميم والعبيد وربيعة والبومفرج والداينية والخوالد وبني زيد والدليم وشمر وزبيد والجبور والخزرج والأجود والكروية وكنانة والبيات وطيء وبني سعد وبني ويس وخفاجة والبو عامر والمراسمة والمعامرة والعنبكية والصميدع والسادة الموسوية وغيرهم.

وديالى هي الممر الذي فكر به الفرس مراراً عبر التأريخ لغزو العراق. وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على محاولات التغلغل الإيراني في المجتمع العراقي لنشر التشيع الفارسي الغريب عن التشيع العربي الأصيل، نستذكر ما كان يسمى محليا ب (درب العجم)، وهو الطريق الذي يمر من أعماق إيران الى حوض سربيل زهاب الى قصر شيرين ثم خسروي فخانقين ثم المقدادية فخرنابات وحتى منطقة الخالص في ديالى، ومن ثم عبور نهر دجلة بواسطة (العبرة) آنذاك باتجاه الدجيل ، ثم التوجه شمالا باتجاه سامراء بحجة زيارة الائمة عليهم السلام، والهدف الأساس غير المعلن كان يتمثل بالإخلال في التوازن السكاني لتلك المناطق التي يمرون بها.

وبالرغم من توفر المصدات العشائرية العربية فان ديالى منطقة مفتوحة بطبيعة ارضها الزراعية وبساتينها العامرة، وهي تساعد من الناحية العسكرية لتسلل الأفراد والعصابات، فكانت ملاذاً للتغلغل الإيراني المستمر. وقد تمكنت القوات المسلحة العراقية وقوى الأمن في النظام الوطني قبل الاحتلال من مسك العديد من تلك العصابات المدربة التي تسللت عبر الحدود من ديالى للقيام بأعمال إرهابية.

ولما كانت ديالى هي المحافظة الأقرب لجار السوء فإن الأخير يعتبرها منطقة التأثير الأولى التي يستهدفها أمنياً وعسكرياً واجتماعياً في استراتيجية تهدف الى قضم العراق تدريجياً، بينما تبقى بغداد هي منطقة الاهتمام الحيوية. فديالى ليست هدفاً إيرانياً استراتيجياً بحد ذاتها، إنما هي الوسيلة وخط الشروع لتنفيذ المشروع الإيراني الكبير المتمثل باحتلال العراق من خلال أقصر الطرق الى بغداد على وفق ما يسمى بإعادة الإمبراطورية الفارسية من خلال تطبيق شعارهم المعلن المسمى (تصدير الثورة).

 ولما كانت محافظة ديالى هي منطقة التأثير الايراني فقد اعتمدتها ايران كمدخل لقضم كل العراق تدريجياً فانتهجت أساليب التغيير الديموغرافي في مدنها وقراها، وتجريف بساتينها، وحرق مزارعها، وتهجير أهلها الأصليين منذ احتلال العراق عام 2003 ولحد الآن بأسلوب تدريجي ممنهج ومبرمج من خلال خلق الفتن الطائفية وتوجيه المليشيات الولائية لتنفيذ هذه الأجندة، فضلا عن اعمالها الخبيثة في إنشاء السدود على مجرى نهر ديالى، وإلقاء المخلفات والمياه الثقيلة فيه لخفض مستوى منسوب المياه ورفع مستوى التلوث فيه لإجبار السكان القانطين على ضفافه الى ترك مساكنهم ومزارعهم والهجرة بعيدا عنه. يضاف الى ذلك جعل هذه المحافظة ممراً لعمليات تهريب المخدرات وإدخال عصاباتها الاجرامية الى العمق العراقي بلا تأشيرة دخول لدعم مشروعهم الخائب. ومن ثم إقامة كنتونات مغلقة للحرس الثوري

  الإيراني وما يسمى بحزب الله العراقي والمليشيات الولائية الأخرى وجعلها معسكرات خاصة لهم لتدريب عناصرهم وتخزين الأسلحة القادمة من إيران بغية الانتقال الى الصفحة الثانية.

ولعل ما جرى في الآونة الأخيرة من محاولة افتعال الفتنة الطائفية بين قريتي الرشاد ونهر الإمام وامتدادها الى قرى المقدادية الأخرى واحدة من الأساليب الخبيثة التي نفذتها المليشيات الولائية بأمر من أسيادهم في طهران بعدما خسروا أصوات حتى من كان يثق بهم أو يعول عليهم في مسرحية الانتخابات الأخيرة التي جرت في العراق. فحققوا الانتقام أولا ممن لم ينتخبهم، واوصلوا رسالة خائبة بان ابعادهم عن المشهد السياسي سيزيد من الاحتقان والقتل والتشريد ثانيا، لكن الأهم من كل ذلك هو المضي في سياسة ايران لقضم العراق من خلال الوصول والتواصل في تحقيق مآربهم وتغيير السكان واستكمال الهيمنة المليشياوية على ديالى وفق المخطط المرسوم.

ولما كانت بغداد هي منطقة الاهتمام الحيوية والهدف الاستراتيجي، فقد تزامنت محاولة السيطرة التامة على ديالى مع فرض حصار ميليشياوي بطوقين حول بغداد من كافة الجهات، فالطوق الداخلي يتمثل بمعسكرات المليشيات في كل من منطقتي الشعلة والتاجي شمالاً والمدائن والطالبية شرقاً والمحمودية جنوباً وابي غريب غرباً. أما الطوق الخارجي فيتمثل بإقامة معسكرات كبيرة مغلقة للمليشيات الولائية كما هو الحال في منطقة جرف الصخر جنوب غرب بغداد والسعي حالياً لتأسيس معسكر آخر في الطارمية شمالاً وفي المقدادية شرقاً، وفي الصقلاوية غرباً، وهذا الطوق الخطير من حزام بغداد الخارجي جرى ويجري فيه التهجير القسري للعوائل، بعد قتل وتعذيب وسجن شباب تلك المناطق وفرض عدم عودة الأهالي الى مساكنهم وتحويل تلك المناطق الى معسكرات ومخازن أسلحة وسجون.

ومن المفجع إن كل ما جرى ويجري من تحرك إيراني عسكري وأمني لقضم العراقي يتم بحرية تامة بلا قيود ولا حدود، وتحت نظر العالم بأسره، بل انه لا يحرك الموقف العربي الرسمي في حدوده الدنيا المطلوبة، فغياب الدعم

 

العربي المباشر أو غير المباشر، أو حتى على مستوى الاستنكار أو الاستهجان، او على مستوى التصريح الإعلامي الخجول، قد أسهم في استفحال مساعي ايران للمزيد من قتل وتشريد وتجويع شعب العراق، متجاهلين أن المشروع الإيراني يستهدف الأمة برمتها، وما العراق الا المدخل والهدف الأول، ومتناسين أن العراق كان السد المنيع للعرب وبوابتهم الشرقية التي دافع عنها ابناؤه البررة ونزفوا الدماء العزيزة والغزيرة.

وأخيرا نقول وفي إطار توازن القوى، أن ايران وبالرغم من تنامي قوتها العسكرية والتكنولوجية منذ أكثر من ثمانية عشر سنة بعد احتلال العراق في ضوء غياب السيادة والجيش الوطني ومحاولات التغيير الديموغرافي، وانتشار المليشيات الايرانية والوسائل الإرهابية الوحشية التي ذكرناها آنفا ، إلا ان المشروع الإيراني لم يحقق أهدافه، بل على العكس فقد ظهرت قوى مضادة وطنية جديدة وبشكل أذهل المخطط الإيراني، تمثل أولاً بالثورة الشبابية التشرينية الباسلة التي استقطبت غالبية الشباب العراقي بمختلف أطيافهم، وخاصة في وسط وجنوب العراق والتي كان المشروع الإيراني يراهن على استقطابهم، فخاب فألهم. ذلكم الابطال الذين وبالرغم من مئات الشهداء وآلاف الجرحى الذين رووا بدمائهم ارضنا الحبيبة، الا أن ذلك لم يزدهم الا عزماً وحزماً لمواصلة الثورة الشعبية العارمة حتى النصر الناجز القريب بإذن الله تعالى.

  أما الأمر الثاني الذي أحبط المشروع الإيراني فتمثل بالعزوف الشعبي العارم ضد الانتخابات البائسة التي جرت مؤخراً. فحتى أولئك الذين غرر بهم ودانوا بالولاء لهم سابقاً لم ينتخبوهم بعدما كشفوا زيف شعاراتهم.. وسيبقى شعبنا وفي مقدمتهم الثوار والأحرار مصدات تجاه طريق الفرس الجديد بعد أن تمكن آباؤهم من إيقاف ما كان يسمى بدرب العجم.

 وإن غداً لناظره قريب .

 

مشاركة المحتوى
Author: