المُنَاضِل البَعثِي أخْلَاقٌ رَفِيعَةٌ وسُّلوكٌ قَوِيْم

 

المُنَاضِل البَعثِي

أخْلَاقٌ رَفِيعَةٌ وسُّلوكٌ قَوِيْم

 

د.محمد رحيم آل ياسين

الأخلاقُ هي أساس تقدم الأمم والشعوب ورقيّها، من هنا وجدنا دولاً وشعوباً وأحزاباً قد اضمحلّت ولم تعِش طويلاً، لأنَّها أهملت بناء الانسان في أوطانها وتنظيماتها، ولم تهتمّ بتنشأته على القيَم النبيلة والأخلاق السليمة والمباديء الانسانية، وهكذا فإنَّ انحسار الأخلاق وتردّيها هو أساس انحطاط الشعوب وتخلفها. لذا فقد تداولت بعض الشعوب الامثلة القيمة في هذا الصدد ومنهاً (المرء بسلوكه).  فالأخلاق هي العمود الفقري الذي تستند عليه الحضارات في العالم، فعندما تنحدر الأخلاق وتزول، تنحدر الشعوب وتخفق في تحقيق ايٍّ من اهدافها وتعيش على هامش الأمم .

حزب البعثُ العربي الاشتراكي هو حزبٌ نهض لتحقيق رسالة  حضارية كبرى هي وحدة امته العربية وحريتها ونهضتها، لتمارس دورها الحضاري بين الأمم وتستطيع مواجهة التحديات ومحاربة الواقع الفاسد والمتخلف وتغييره بكل كفاءة . وحزبٌ هكذا أهدافه ، لا يمكن ان ينهض بمهامِّه الجَسِيمة التي تستهدف امة كاملة الا اذا تجَسّدَت في شخوص اعضائه، ايماناً وسلوكاً،  كل القيم النبيلة  والمثل العليا ومواصفات التقدم والرقي التي يناضل لزرعها في الامة. فتصبح  بُنْيَتَه الداخلية ، صورة للأمة  المتحضِّرة المتقدِّمة التي يناضل للوصول اليها.

لذا كان البعث ثورة وانقلاب على الواقع المتردّي الذي تعيشه الأمة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وأخلاقياً. فهو ثورة اجتماعية وقِيَميَّة قبل أن تكون سياسية واقتصادية، ومن أهم دعامات هذه الثورة البعثية هي  الانقلابية ، اي الانقلاب على الواقع الفاسد والمتخلف  ابتداءاً من قيمه وسلوكه وممارسات افراده.

 ومن هنا احتلَّت قضية الأخلاق مكانة متميِّزة عند البعث . فالأخلاق التي يريدها ويتبناها، ويُلزم مناضليه على حملها والتمثل بها، والالتزام بسلوكها، هي أخلاق عمل وتطبيق، وليست أخلاقاً نظرية وحسب. وهكذا كان للبعث تجربته ومعاييره التي ساهمت بصموده الاسطوري لاكثر من سبعة عقود.  

فقد أجرى البعث انقلاباً في كل شيء ، بدءاً من البعثيين كأفراد وصولاً الى عموم التنظيم الحزبي. فسادت بين الرفاق أخلاق جديدة مستوحاة من قيم العروبة الأصيلة، ومن الارث الحضاري للامة. وهي تحمل في مقدمتها طابع الايثار والتضحية، وتغليب مصلحة الأمة على أي مصلحة أخرى. هي صفات اخلاقية بارزة تميّز البعثيين، وتقربهم الى قلوب الجماهير، فتتعلق بهم  وتلتف حولهم.

ولقد حرص البعثيون على الالتزام بذلك، لذا فقد لمست الجماهير هذه الصفات فيهم ، حتى ان البعثي في بدايات التأسيس كان يُشار له بالبنان، فتشخصه الناس على أنَّه بعثي، دون سابق معرفة به، لتميزه في أخلاقِه وسلوكِه، في مظهره الرصين، وهندامه المنظَّم، وحتى في سيره تظهر علامات الوقار والتؤدة .

ولأن البعثي كان ولم يزل، شجاعاً في رأيه وفعله، مُقتحماً لكل الملِّمات، والأهوال ،لا يهاب الموت، فقد نذر نفسه لقضية عظيمة فهو مشروع استشهاد دائم من أجلها، لذا فان اهم ما يتصف به المناضل البعثي، بالاضافة الى الشجاعة والنزاهة والشهامة والصفات الخلقية الاخرى، هي السماحة والتسامح، الألفة والتآلف، المحبة والانسجام والتواضع مع رفاقه وجماهير شعبه من حوله.

 ولان البعث هو ثورة حقيقية ، هدفها الارتقاء بحياة الانسان العربي، والمجتمع صعوداً الى الأمة كلّها، فإنَّ هذه الثورة تبدأ من الفرد نفسه، فالبعث يعمل على احداث نهضة حضارية للانسان العربي أولاً، وهذه النهضة، تبدأ من زرع القيم الأخلاقية وتعزيزها في النفس، وتحصينها ، حتى يكون الرفيق في جهوزية تامة ليتقدم الجماهير مع بقية رفاقه كطليعة واعية، من أجل تحقيق الأهداف الكبرى للأمة في وحدتها وحريتها، وتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية لأبنائها.

 من هنا فالبعثي الحقيقي وليس المنتَسِب للحزب، هو ذلك المناضل المؤمن بمباديء البعث وقيمه، والمُعَبّر الحقيقي عن أخلاقِه ومُثُله الراقية،  فيظل قابضاً عليها بجوارحه، ويعضّ عليها بنواجذه، دون التفريط بها مهما حدث. فالبعثي يتميّز بالرَّصانة والالتزام الأخلاقي ازاء حزبه كله وذلك ادراكاً منه ان الجماهير تتمثل الحزب برمته في سلوك ايّ فرد من افرادِه ، فهي لا تُفرِّق الجزء عن الكل ، لذا يتميز البعثي بالحفاظ على سُمعة حزبه وقيادَته ورفاقه قدر حفاظه على سمعته ذاتها،  والتعامل مع ذلك بحِرْصٍ شديدٍ يرقى الى مستوى القُدْسِيّة .

وهذا ليس بغريب على مَن يحمل همُوم وآلام ومعاناة أمة بكاملها، وهو مَن أعَدّ نفسه ونذرها للمهام العظيمة . وعليه فهو على وعي تام بأنَّه يجب أن يكون بمستوى هذه الأهداف الانسانية الكبرى، ولا يكون كذلك الا باتصافه بالأخلاق الرفيعة، والسلوك القويم. وهكذا يكون في جهوزية كاملة لأن يتقدم الجماهير في سبيل تغيير واقع الأمة المتردي.

وبعد ذلك كيف يكون البعثي شُعلة وهَّاجة بين رفاقه وشعبه، وقائداً للجماهير، إن لم يحمل سمات وصفات القدوة والنخبة المتقدمة؟، وإن لم يكن بمستوى

المَثَل والمِثال الواقعي الراقي في كل شيء، في عقله وفكره، في سلوكه وتعامله. وإذا لم يُحسن البعثي التعامل مع رفاقه وجماهير شعبه، فكيف يكون(انقلابياً) وثائراً من نوع خاص؟!.

ان البعث ليس مجموعة نظريات تجمعها السطور في بطون الكتب، بل هو واقعيٌّ في فكره، ونظريته، وتنظيمه. ولقد احترف البعثي الحقيقي خدمة الجماهير والأمة، فهو من مُنتَقى الناس ونخبهم وصَفوَتهم في خُلُقه وسلوكه. قلبه متَّسعٌ للفضائل، وفي مقدمتها المحبة، فهو مترع بالمحبة الصادقة لشعبه ، و قيادته ورفاقه في التنظيم الحزبي. ودائما القلب الذي يمتلأ حبّاً لشعبه ورفاقه يكون شهما، سمحاً، كريماً، سخيَّاً، متواضعاً.

والبعثي دائماً يُحسن المعاملة مع الآخرين في الحزب وخارجه، وفِيٌّ وَدُودٌ، وهو متواضع حَيَّاء على الدوام، ولا يقوم بفعل يتسبب فيه بحرج أو أذىً للغير، وخاصة رفاقه، لأنَّه في استحياء لا يغادره قيد أنملة. ولانه دائم الانشغال بحزبه وجماهير أمته وقضاياها ، لذا فهو لا ينشغل بنفسه واهتماماته الخاصة ورغباته الشخصية.

ولأن مسؤولية البعثي نهضة امة بكاملها، ولأن الواقع الفاسد والمتخلف لا تغيره الاكاذيب بل الحقائق والعمل الواقعي ، لذا فمن أبرز صفات البعثي هي الصدق ، الصدق مع الذات ومع الاخرين، وتوخي الدقة والأمانة في القول والعمل.

ومن بين اهم صفات البعثي هي الالتزام. والالتزام مبعثه الاحترام، لقيادته ورفاقه، ولجماهير أمته، فالنضال الضروس لتغيير الواقع ومواجهة العدو يتطلب بُنيَة تنظيمية متينة تستند الى قواعد الديمقراطية المركزية، و رصّ الصفوف، والتكاتف، وهذا لا يمكن ان يتحقق الا اذا انطلق من قاعدة راسخة هي الاحترام التام بين الرفاق .

والمناضل الحقيقي سليم السَجيّة لا يحمل أحقاداً ولا ضغائن، لذ فقد منع النظام الداخلي والتعليمات الحزبية اسلوب تجميع الاخطاء، واعتبرها ممارسة هدّامة يعاقب عليها الحزب.  لذا فالبعثي لا يستجمع المواقف التي تخدمه، على رفاقه، ليكيل لهم التهم جُزافاً.

هذا بعض مما يتمثَّل في شخصية البعثي من قيم وقواعد اخلاقية،  كجزء من ثورة رُوحيَّة خُلُقيَّة شاملة احدثها البعث في مناضليه كي يرتقوا في قدراتهم وسلوكهم الى مستوى رسالتهم الخالدة.

نخلص مما سبق، أنَّ البعثي يبدأ في اصلاح نفسه ويروّضها منذ مراحل مبكرة في انتمائه الى الحزب، وفق الحياة الجديدة  والمهمة السامية التي اختارها بنفسه عن يقين وقناعة. وبالتّالي فهو أمَّا أن يكون بعثياً أصيلاً حقيقيَّاً، فكراً ومنهجاً وسلوكاً، وأمَّا بعيدٌ كل البعد عن كونه بعثي حقيقي. وهكذا يكون الضابط الفاصل في اعتبار فلاناً من الحزبيين بعثياً حقيقياً،  أم منتسباً خارجاً عن البعث وقيمه وتنظيماته ، هو الأخلاق..

فهي المعيار الحقيقي للمناضلين.   

مشاركة المحتوى
Author: