الانتخابات الأمريكية بين الثنائي الحزبي وثبات الاستراتيجية في العلاقات الدولية

الانتخابات الأمريكية بين الثنائي الحزبي وثبات الاستراتيجية في العلاقات الدولية 

محمد مراد : باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية

       مع فتح صناديق الاقتراع في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) لمباشرة دورة الانتخابات وتجديد السلطة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2020 , بقي العالم بدوله ومختلف نظمه وتياراته السياسية ومعه الخبراء والمحللون ووسائل الاعلام المنتشرة على المساحة الكونية , يترقب  بصبر الانتظار للنتائج التي ستنتهي اليها هذه الانتخابات سواء على مستوى الحزب الفائز ديمقراطيا أم جمهوريا , أم على مستوى السباق الرئاسي الذي سيأتي بالرئيس الأمريكي الى البيت الأبيض سواء أكان ” جو بايدن”عن الحزب الديمقراطي أم ” دونالد ترامب ” عن الحزب الجمهوري والتي حسمت في النهاية لمصلحة مرشح الحزب الديموقراطي جو بايدن ،بعدما استنفذت كل طرق المراجعة  حول شرعية العملية الانتخابية ولم تسلم من اشكالات شعبوية خرجت عن طابعها الديموقراطي كما دللت عليه مشهدية اقتحام انصار ترامب لمقر الكونغرس الاميركي.   .    

  إنّ المتتبع التاريخي لمسار الانتخابات الأمريكية منذ انتخاب أول رئيس جمهورية للاتحاد الأمريكي (جورج واشنطن) عام 1789 , وصولا الى الرئيس الرقم 45 في التسلسل دونالد ترامب (2016 –  (2020والرئيس الرقم 46 ( 2020 – 2024 ) الذي حمله جو بايدن  , إنّ هذا المتتبع سوف يخرج بتسجيل جملة من الحقائق الدالة والاستنتاجات , هذه أبرزها :

1 – إنّ الرؤساء ال 46 الذين تعاقبوا على قيادة السلطة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية لقرابة القرنين وثلث القرن , كانوا من الثنائي الحزبي المهيمن على المشهد السياسي الأمريكي الجمهوري – الديمقراطي الى درجة ما يشبه المداولة الدورية في ادارة الحكم .

  أنّ المداولة المشار اليها إن دلّت على شيء فإنّما تدل على التالي :

أ –  لم تحدث المداولة عن طريق انتزاع السلطة والحكم باللجوء الى انقلاب عسكري أو الى أي وسيلة أخرى لتجنيد القوة المسلحة بهدف الاطاحة بالحكم القائم كما حصل مع العديد من أنظمة الحكم في العالم , وبصورة ملفتة في المنطقة العربية وفي غير دولة في آسيا وأفريقيا .      

ب – ساعدت المداولة على تقديم ” الديمقراطية الأمريكية ” كنموذج فاعل ودافع لديناميات التطوير الكمي والنوعي في المجتمع الأمريكي اقتصاديا واجتماعيا ومؤسساتيا وتكنولوجيا وسياسيا , وهي في الواقع ديمقراطية الرأسمالية الأمريكية في حاجتها الى المراكمات المستمرة .ج – ميزة الدستور الأمريكي من حيث تحديده الولاية الرئاسية بأربع سنوات قابلة للتجديد , عبر الانتخابات , لولاية ثانية فقط , أي أنّ الرئيس نفسه لا يحكم أكثر من ثماني سنوات متتالية ( هناك 34 رئيسا استمروا لولايتين متتاليتين , ورئيس واحد استمر لمدة 12 سنة من 1933 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 هو فرنكلين روزلفلت , و10 رؤساء لولاية واحدة فقط ) . هذه الدورية التعاقبية أكسبت النظام الأمريكي حيوية تجديدية لم تتوفر لغيره من أنظمة الحكم الأخرى لا سيما الأنظمة الشمولية ذات الطبيعة الملكية أو الأميرية أو السلطانية أو الحزب الواحد في أنظمة جمهورية هي أقرب الى الملكية منها الى الجمهورية .

أيديولوجية الرأسمالية المتفوّقة وراء التحوّل الأمريكي من دولة الامبريالية الى امبراطورية الامبريالية

في أعقاب الحرب العالمية الثانية , قفزت الولايات المتحدة الأمريكية الى واجهة الدول الرأسمالية , وراحت تتحوّل بسرعة فائقة الى دولة الامبريالية بفعل جملة من التطورات النوعية أبرزها اثنان :

الأول , أفول نجم الامبريالية القديمة الأنكلو – فرنسية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية التي شهدتها من انكلترا وفرنسا , لا سيّما خلال الحربين العالميتين الأولى (1914 – 1918 ) والثانية (1939 –  (1945فهاتان الحربان جرتا ميدانيا على الأرض الفرنسية والبريطانية فدمرتا اقتصاديهما , في حين أنّ الولايات المتحدة , صحيح أنّها اشتركت في الحربين المذكورتين الى جانب الحلفاء ولكن خارج أراضيها , الأمر الذي أبقى الاقتصاد الأمريكي ليس سليما وحسب , وانما تحولت الولايات المتحدة الى الدائن الأكبرلسائر الدول المتحاربة على جبهتي الحلفاء والخصوم معا .

الثاني , الحراك التراكمي للرأسمالية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية , دلّ على ذلك صعودها الى المرتبة الأولى في العالم في مجال التمركز المالي والاستثمارات , وفي مجال التوسّع في الأنشطة الاقتصادية وازدهار التجارة الخارجية . وثمّة دلالة ملفتة على تعاظم قوّة الاقتصاد الأمريكي عكستها معدّلات النمو المرتفعة لأحجام الناتج القومي الاجمالي , والتي حافظت على معدّلات نمو بين 3- 5 % سنويا على مدى العقود الخمسة المتتالية بين 1940 – 1990 .

   تحولت الولايات المتحدة الأمريكية , وخلال فترة زمنية قياسية بعد الحرب العالمية الثانية , الى امبراطورية عالمية ليس فقط من خلال حجم انتشارها القاري في العالم وحسب , وأنما أيضا من خلال الوظيفة الجديدة للنظام الامبراطوري في تحوّلاته من دولة الامبريالية الى امبراطورية الامبريالية , فدولة الامبريالية قامت في الأساس على نظام الدولة المشرّعة  لتراكم رأس المال , اذ بسطت هذه الدولة سلطتها الاستعمارية على مساحة من المستعمرات خارج اراضيها , إلا أنّها أبقت على خصوصيات الشعوب المستعمرة في ثقافتها وهويتها التاريخية . فالمحور المركزي للسياسة الامبريالية في المستعمرات قام على النهب الاستعماري للدول الخاضعة من جهة , وعلى إبقاء هذه الدول الطرفية كملحقات تابعة لرأسمالية المركز من جهة اخرى . أما النظام الامبراطوري الامبريالي فهو لا يكتفي بقيام السلطة على مركز اقليمي , ولا يتوكأ على حدود وحواجز محددة , فهو جهاز غير ممركز وغير محدّد بحدود إقليمية , وإنّما هو نظام يسعى الى إدراج كل فضاء العالم ضمن حدوده المفتوحة .

   ثمّة أربع خصائص للنظام الامبراطوري الامبريالي:

الأولى , فضاء الامبراطورية تغيب عنه الحدود , فهو يتسع ليشمل العالم كل العالم .

الثانية , تسوّق امبراطورية الامبريالية نفسها ايديولوجيا وفكريا على أنها المرحلة النهائية للتاريخ ! فهي تلغي التاريخ لتعطي الصفة البدية للعالم الراهن .

الثالثة , إنّ السلطة الامبراطورية تطال كل مستويات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية .

الرابعة , ضبط العالم في فضاء ” السلام ” الامبراطوري , أو بالأحرى تطويع العالم لارادة القوة المهيمنة عسكريا وسياسيا واقتصاديا وحضاريا !

  إنّ النظام الامبراطوري الامبريالي الذي يقود الحكم والسياسة في الولايات المتحدة  هو نظام مختلف كثيرا عن الطبيعة الامبراطورية للنظام الذي عرفته المجتمعات والحضارات عبر التاريخ , ومختلف أيضا عن النظام الامبريالي الذي وصّفه ” لينين ” على أنّه أعلى مراحل الرأسمالية , إنّه نظام ” لحظة تكثّف العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وسائر بلدان العالم , والسلطة الامبراطورية مع هذا النظام تقوم بوظيفة أساسية تتمثّل بقوة التحكّم في المبادلات الدولية , وتسعى الى فرض السيادة الكاملة الآيلة الى التشكّل وفق شبكة من العلاقات المكثّفة غاية في التكثيف المعقّد ” .

  أمّا المفارقة الكبرى لهذا النظام الامبراطوري فهي أنّه بمقدار ما كان يسجّل قفزات مذهلة في التطور , بمقدار ما كان يعيش أزمة مخزونة في بنيته العامة . إنّه كان يتطور على قاعدة أزمة , وقد وصل به الأمر في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين أن بدات الأزمة  هي التي تحكم حركته ومساره العام , بحيث أنّ الامبراطورية الأمريكية كانت في هذه المرحلة قد دخلت طور الشيخوخة واقترب موعدها مع السقوط . من هنا راحت عناصر النخبة الامبريالية تسعى لتأجيل السقوط عبر توظيف القوة العسكرية التدميرية باللجوء الى الحروب الاستباقية التي لم يكن لها سوى هدف مركزي واحد هو النهب الاستعماري لثروات الشعوب وإعادة توظيفها في خدمة توليد مراكمات رأسمالية  جديدة .

 تحاول الامبريالية الأمريكية اليوم أن تقدّم نفسها الى العالم بوصفها النموذج الأمثل للديمقراطية والليبرالية  , إنّ مثل هذا التقديم لا يغفل حقيقة أمريكا السفّاحة لدماء الملايين من أبناء فيتنام وافغانستان والعراق وفلسطين وشعوب أخرى عديدة . فالامبريالية الأمريكية عاشت على التسلط والنهب لثروات العديد من شعوب العالم , فهي في حقيقتها تكاد تكون امبراطورية سيطرة موزّعة في الخارج . فالهمجية الاميركية  منحت نفسها صفة الشرعية الدولية عن طريق هيمنتها على منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الاممية وتوظيفها في الاتجاه الذي يستجيب لمصالحها وأهدافها . ولعلّ طلب الكاتب الأمريكي التحرري ( مارك تواين ) من رئيسه القابع في البيت الأبيض ” استبدال قماش العلم الأمريكي البيض بقماش أسود , ووضع جمجمة الموت مكان النجوم التي تزيّن هذا العلم ” , هو طلب له مغزى عميق الدلالة , من حيث انّ الراسمالية كأيديولوجية مسلحة هي التي تمنح ذاتها صفة الفكرة الخالدة في الواقع العملي “

  ارتكزت أيديولوجية الامبريالية الأمريكية الى الذرائعية كمنهجية تبريرية دعائية للرأسمالية المنتصرة وهما في نهاية تاريخ فوكوياما الياباني المتأمرك . فالتحولات البالغة الخطورة التي عصفت في العالم مع وصول جماعة المحافظين الجدد الى سدة السلطة الحاكمة في البيت الأبيض  برئاسة الجمهوري جورج بوش الابن ( 2000- 2008 ) , تحولات باتت تنذر بحروب وتوترات دولية , لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وفي الوطن العربي بصورة خاصة . مع البوشية الثانية راحت تتكشّف استراتيجية الحرب الوقائية أو الاستباقية التي اعتمدتها الادارات الأمريكية الحاكمة جمهورية كانت أم ديمقراطية , مدفوعة بأيديولوجية هوليودية  دينية متطرفة , كل ذلك من أجل اخضاع العالم لحكم مجموعة من الشركات العملاقة في عصر العولمة , وهي شركات باتت فوق الدولة الأمريكية , لا بل تعمل على تسخير هذه الدولة لتسييد سيطرتها وحكمها للعالم .

الحكومات الأمريكية بين 1988 – 2020

منذ سقوط المنافس السوفياتي في مطلع التسعينيات من القرن العشرين وحتى مباشرة الانتخابات الأمريكية الأخيرة في 3 تشرين الثاني ( نوفمبر) الحالي 2020 , أي في مدة زمنية امتدت لقرابة ثلث قرن تعاقب على الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية  الجمهوريون والديمقراطيون وفقا للتالي:

  • ادارة جورج بوش الأب ( جمهوري 1988 –1992): قادت أميركا تحالفا دوليا من 30 دولة  في حرب عاصفة الصحراء على العراق عام 1991 , الى جانب وقوف اميركا وراء دفع مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يقضي بفرض حصار ظالم على الشعب العراقي استمر لمدة 13 سنة  1990) – 2003 ).
  • ادارة  بيل كلنتون ( ديمقراطي 1992 – 2000 ): دعم الموقف الاسرائيلي في ” أوسلو ” لانتزاع اتفاق مع الفلسطينيين لصالح الكيان الصهيوني عام 1993 , وأيضا توقيع اتفاقية وادي عربة مع الأردن قضت بتطبيع العلاقات مع اسرائيل عام 1994 , الى جانب مساندة العدوان الاسرائيلي على لبنان في عامي 1993 و1996 ,
  • ادارة  جورج بوش الابن( جمهوري  2000 – 2008):  احتلال أفغانستان في تشرين الثاني 2001 , ومن ثمّ احتلال العراق في نيسان ) ابريل) 2003 , والوقوف الى جانب اسرائيل في عدوانها على لبنان في حرب تموز ) يوليو) 2006 .
  • ادارة  باراك أوباما ( ديموقراطي2008 – 2016) : تدخلات عسكرية مباشرة وغير مباشرة في تفجير الحروب الأهلية في غير قطر عربي , الى قيادة ما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة الارهاب التكفيري في وقت جاء في العديد من الوثائق التي كشفت أنّ ” داعش” واخواتها من صناعة مشتركة  مخابراتية أمريكية – ايرانية ،  كان الهدف من ورائها تدمير مجتمعات الدول العربية , لا سيّما الدول الوازنة المحيطة بالكيان الصهيوني وهي العراق وسوريا ولبنان  اضافة الى مصر واليمن وسائر أقطار المغرب العربي والخليج .
  • ادارة  دونالد ترامب (جمهوري 2016 – 2020): مواصلة التذرع بمحاربة الارهاب المصنّع أميركيا , الى تقديم دعم غير مسبوق للعدو الاسرائيلي ماديا وعسكريا وسياسيا ودبلوماسيا , فهو الذي أعلن عن صفقة القرن في وعد يعزز تسييد الدولة العبرية على حساب الحق التاريخي للشعب الفلسطيني , وهو الذي قرر كرئيس للدولة الأعظم في العالم نقل السفارة الأمريكية الى القدس في تحد واضح للفلسطينيين ولعروبة المدينة ولطابعها العربي – الاسلامي .

 اذا ما وزّعنا مدة ال 32 سنة بين الجمهوريين والديمقراطيين كحكومات متعاقبة بين 1988 و2020 , لتبين لنا أنّ ثمة مناصفة لتوليهما السلطة الحاكمة في البيت الأبيض الأمريكي , حيث كانت الحصة الزمنية لكل من الحزبين 16 سنة . وهذا ما يؤكد على انّ التوجهات السياسية للثنائي الحزب لا تخرج عن استراتيجية امريكية ثابتة ومحددة في خطوطها وعناوينها واهدافها على مستويي الداخل الأمريكي والخارجي العالمي .

 إنّ البنية القيادية  للثنائي الحزبي الجمهوري والديمقراطي هي واحدة , وهناك عنصران اساسيان هما بمثابة العاملين الحاملين لهذه البنية القيادية , الأول  اقتصادي , والآخر عسكري .

  على الصعيد الاقتصادي كان الاقتصاد الأمريكي يشهد تحوّلات متسارعة  نحو العولمة , ذلك أنّ عالم ما بعد الحرب الباردة راح ينقسم انقساما جغرافيا – انتاجيا بين عالمين متمايزين , الأول , دول الشمال والمجموعة الصناعية , والآخر , دول الجنوب او البلدان النامية والفقيرة . كانت الهيمنة الاقتصادية لدول المجموعة الصناعية  (G.7) وهي : الولايات المتحدة , اليابان , المانيا , فرنسا , بريطانيا , إيطاليا وكندا . استأثرت هذه الدول وحدها , بأكثر من ثلثي الناتج الاجمالي العالمي( 67.4%)  حتى العام 1995 , مقابل 13,4 % لدول العالم الثالث و 19.2 % لبقية الدول الأوروبية والصين (8).

   لقد تحوّلت المجموعة الصناعية الى أهمّ مكان في العالم على أساس القدرة الاستقطابية لتركّز راس المال المعولم  من خلال الشركات العملاقة المتخطية الجنسية . وصل عدد الشركات في مطالع القرن الحادي والعشرين الحالي الى نحو 500 شركة توزّعت :  472 شركة في الشمال و28 شركة في الجنوب . استأثرت الولايات المتحدة  منفردة بحوالي 162 شركة , مقابل الاتحاد الأوروبي 158 , اليابان 126 , سويسرا 14 , كندا 6 , استراليا 5 وروسيا الاتحادية شركة واحدة . أمّا شركات الجنوب فتوزّعت :  كوريا الجنوبية 13 , البرازيل 5 , الصين 3 , وكل من فنزويلا والمكسيك وتركيا وماليزيا والهند وتايوان وجزر أنتليس الهولندية بمعدّل شركة واحدة لكل منها (9).

  مع ظهور الشركة العملاقة باتت الشركة فوق الدولة وبات معها أصحاب الأسهم الكبار يمسكون بمثلث القوّة : الاقتصاد , السياسة والعسكر . فقد باتت الكلمة الفصل في السياسة الخارجية الأمريكية لجنرالات الجيش الذين امتلكوا الحصّة الأعلى من أسهم شركات الأسلحة والطيران والتصنيع العسكري و وكذلك في شركات النفط والإعلام والبنوك والتأمين وسواها .

    إنّ أكثرية  وزراء ومستشاري حكومة بوش الثاني ( 2000 – 2008 ) , كانوا من العسكريين أو الجنرالات المتقاعدين , وهذا ما يفسّر التوجهات الأمريكية  التي راحت تربط , وما تزال , بين عسكرة النظام السياسي الحاكم وخوض الحرب العالمية الثالثة تحت يافطة محاربة الارهاب الدولي لإحكام السيطرة على العالم , والتي تعتبر المنطقة العربية بوجه خاص والشرق أوسطية بوجه عام , المحور المركزي للنفوذ بالنفوذ الرأسي على قمّة النظام الدولي الجديد للعالم المعاصر.

عملت راسمالية الشركات العملاقة على خلق طبقة أوليغارشية مالية من بارونات المال الذين لم يشكّلوا اكثر من 1 % من الشعب الأميركي , لكنهم استاثروا بأكثر من 80 % من ثرواته . انتشرت طبقة الواحد بالمئة من البارونات في كل اقطار العالم عبر الشركات العابرة للحدود السياسية والسيادية للدول , وهي تقوم بتوظيف قواها المالية والإعلامية في خلق نظام عالمي تحكمه الشركات اقتصاديا وأمنيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

   في تحليل للتركيب الهيكلي لطبقة الواحد بالمئة الأمريكية مع امتداداتها العالمية , انّ أعضاءها توزّعوا على النحو الآتي (14):

قطاع رجال الأعمال  123 عضوا .

قطاع رجال السياسة      101

قطاع البنوك               55

القطاع الأكاديمي          55

القطاع الاعلامي          20 

القطاع المهني             19

قطاع المنظّمات           15

قطاع المحامين ورجال القانون 14.    

 جاء في كتاب ” عندما تحكم الشركات العالم ” لمؤلفه دايفيد كورتين (David Corten), أنّ طبقة الواحد بالمئة تضمّ في صفوفها  رؤساء 4 شركات من بين اكبر 5 شركات متعولمة في مختلف انحاء العالم , ورؤساء 5 بنوك من أصل 6 بنوك عالمية في العالم بأسره و الى جانب رؤساء وكالات إعلامية كبرى مثل ” جابان تايمز ليمتد” (Japan times Limited) , و” لوبوينت ” (Law Point) , و “تايم ميرور كومباني ” ( Time Mirror Company), و واشنطن بوست(Washington Post) ” و” سي إن إن ” (CNN) و ” تايم ووورنر” (Time Warner) (15).

   قفزت الشركات العملاقة المتخطية الجنسية الى سدّة السلطة الحاكمة في البيت الأبيض الأمريكي  ,ذلك أنّ العناصر الفاعلة , في صناعة القرار السياسي الخارجي منذ الإدارة البوشية الأولى  (  بوش الأب ) مرورا بولايات كلينتون وبوش الإبن و أوباما وترامب وصولا الى الولاية البايدنية الحالية , كانوا بمعظمهم من كبار أصحاب الأسهم في الشركات العملاقة  , خصوصا شركات الأسلحة , والتصنيع العسكري , والإعلام , وشركات المال والبترول والتبغ , والتامين , والامبراطوريات العقارية العالمية .

   أمسكت الشركات العملاقة بوسائل الإعلام , حيث انفردت في الولايات المتحدة 6 شركات فقط بتملّك 90 %  من الإعلام القائم , وذلك من اصل 10 شركات تسيطر على الإعلام العالمي . أمّا على صعيد المؤسسات المالية فهناك 5 مصارف تستأثر بأكثر من 75 % من إجمالي الأصول المصرفية , وهذه المصارف تملكها 4 شركات فقط (16).

   هذا التمركز الهائل للاقتصاد والمال والإعلام , هو الذي راح يرسم سيناريوهات السياسة الخارجية الأمريكية في الإتجاه الذي يوفر عناصر من القوّة الاستراتيجية من اجل توظيفها في انتاج نظام دولي أحادي القطبية بقيادة الشركات الحاكمة . من هنا , كانت الحروب الاستباقية التي شنّتها الولايات المتحددة بدءا من حرب ” عاصفة الصحراء ” عام 1991 , مرورا باحتلال أفغانستان عام 2001 , والعراق عام 2003 , وصولا الى التذرّع بمحاربة الارهاب الذي لم يكن سوى يافطة أمريكية لتحقيق حضور وازن في الشرق الأوسط يتيح لرأسمالية الشركات الحاكمة في البيت الأبيض الأميركي تحقيق سبق دولي يؤهّلها لقيادة عالم القرن الحادي والعشرين الحالي من غير منافس.

   لقد ظهرت الشركة – الدولة في الولايات المتحدة , وكذلك في الدول التي تدور في فلكها , الأمر الذي شكّل قطيعة مع مرحلة الدولة – الأمة التي أعقبت مؤتمر وستفاليا عام 1648 , ومن بعده الثورة الفرنسية عام 1789.

    إنّ أعضاء الشركات المشار اليها , شكّلوا في الواقع السياسي حكومة ظل دولية حيكت خيوطها من قبل المجموعة أو الطبقة الحاكمة غير المنتجة من رجالات المال وجماعات الأسهم في غير شركة متخطية الجنسية . شكّل هؤلاء حكومة سرية عالمية , لا بل هي السلطة الخفية التي تستطيع أن تأتي بحكومات وتطيح بأخرى سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها من الحلفاء في غرب أوروبا وبلدان عديدة أخرى في العالم . ففي الولايات المتحدة سواء اكان الرئيس (جمهوريا)  البوشان الأب والإبن , ودونالد ترامب  أم (ديمقراطيا ( كلينتون وأوباما وبايدن الحالي   لا فرق , فالكل يعمل على تنفيذ جدول الأعمال نفسه , الذي تضعه حكومة الشركات ومؤسسات الظل التابعة لها.

الوطن العربي في استراتيجية الثنائي الحزبي الأمريكي

  تحولت المنطقة العربية مع انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي ( القرن العشرين ) الى مركز استهداف أمريكي يقوم على إجراء تغييرات هامة في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة في إطار مشروع ” الشرق الأوسط الجديد ” كبديل استراتيجي لمشروع عربي نهضوي يرتكز الى التحرر القومي وإقامة دولة الوحدة العربية .

 لم يخرج المشروع الجديد للشرق الأوسط عن كونه يمثّل ثابتا استراتيجيا في السياسة الغربية عموما والأمريكية خصوصا , كل ذلك بهدف الحؤول دون ظهور قوة إقليمية وازنة في هذه المنطقة التي تمثل قلب العالم . وقد ظهرت أحلاف غربية عديدة لممانعة أي مشروع يسعى الى قيام حالة وحدوية عربية بدءا من محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر , مرورا بعبد الناصر , وصولا الى الحرب على العراق واحتلاله في العام 2003 .

  ولما شعرت رأسمالية المركز الأمريكي المحكومة بخلفية ثقافية دينية تجمع بين الصهيونية التوراتية والأصولية البروتستانتية , أنّ ميزان القوى في الصراع العربي – الاسرائيلي , بدأ يميل , رغم التعثر العربي , لصالح العرب سكانيا واقتصاديا وقوميا , لجأت امريكا الى التدخل العسكري المباشر فاحتلت العراق تمهيدا للشروع بتنفيذ مشروعها الشرق أوسطي الجديد بهدف تأبيد اسرائيل في المنطقة من خلال سياسة التهميش والاضعاف لهذه المنطقة عبر إحداث المزيد من الفرز المذهبي والطائفي والاثني بين مكوّناتها الاجتماعية والثقافية , مانعة عليها أي أمل في قيام نهضة عربية قادرة على جعل العرب يمثلون قوة اقليمية لها وزنها وحضورها بفعل الثروات الاقتصادية والبشرية التي يتمتعون بها .

 هناك أكثر من سبب كان يدفع الغرب الأوروبي – الأمريكي لمواجهة الحالة النهضوية العربية , أبرز هذه الدوافع ثلاثة :

1 – صراع الهويات الحضارية  بين حضارة غربية نازعة نحو المادية , واخرى عربية ظلت على تميزها بخصوصيتها العربية – الاسلامية  وتوجهها الى العالمية على قاعدة السلام والأنسنة .

2 – الدفاع الغربي الدائم عن مشروع الصهيونية الاستيلائي الاستيطاني الاغتصابي  والساعي الى اقامة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل , ذلك انّ مثل هذا المشروع يحقق فائدة مزدوجة للصهيونية التوراتية من جهة , والمسيحانية السياسية بأصوليتها البروتستانتية المتطرفة من جهة أخرى .

3 – الاستحواذ الغربي – الصهيوني على ثروة استراتيجية مخزونة في الأرض العربية وهي النفط . وهذا ما صرّح به ” نورمان شوارسكوف ” – قائد حرب عاصفة الصحراء على العراق عام 1991 , قائلا : ” جئنا كي نصحح خطئا , ونعطي هذه الثروة لمن يستحقونها ” .

خلاصة :

لم تكن الانتخابات الأمريكية الأخيرة سوى انعكاس لديمقراطية الراسمالية الأمريكية التي تخدم مصالح العناصر القيادية في الثنائي الحزبي الجمهوري والديمقراطي , فهذان الحزبان يتكاملان في الدور والوظيفة التي تستجيب لمصالح طبقة سياسية من رجال الأعمال وأصحاب الأسهم في شركات عملاقة متعدية الجنسية , هذه الشركات باتت اليوم فوق الدولة الأمريكية , وهي منسجمة في استراتيجيتها في حكم أمريكا وتوظيفها كقوة عظمى في الأنفراد القطبي على قمة النظام العالمي.

مشاركة المحتوى
Author: