عدم الإنحياز في فكر القائد المؤسس

د. احمد ابو داود

المقدمة

يصعب الفصل بين الأفكار السياسية للقائد المؤسس لحزب العث العربي الاشتراكي الاستاذ احمد ميشيل عفلق، الخاصة ببناء المجتمع العربي الإشتراكي الديمقراطي الموحد، وبين فلسفة عدم الإنحياز التي حدت الملامح الأساسية للكفاح ضد الإستعمار وضمان الحريات السياسية، والإعتراف بالحقوق القومية والإنسانية للشعوب والمساهمة في الجهود المبذولة لتحقيق التوازن الدولي لتجنيب العالم مخاطر الحروب والدمار النووي، عبر بناء عالم يسوده السلم والأمن والوفاق والتعاون.

إن البحث في موضوع: عدم الإنحياز في فكره ، يعني البحث في جوهر القضية التي ناضل من أجلها كمفكر وقائد سياسي من طراز فريد عبر ظروف معقدة، عاشها العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية عصرنا الراهن، لقد كانت الأيدولوجية العربية التحررية بجانب الهندية واليوغسلافية، عوامل جوهرية في بناء فلسفة عدم الإنحياز، وتميز الدور العربي في حركة عدم الإنحياز،ببعدين، أيدولوجي واستراتيجي.

فمن الناحية الأيدولوجية ساد الإعتقاد بخطورة سياسة المعسكرات والإنقسام العقائدي في العالم،الذي قاد الحرب الباردة،لذا عبرت سياسة الحياد الايجابي عن الحل الجديد والفريد أمام شعوب ودول العالم الثالث لكي تمارس دورا إيجابيا على صعيد العلاقات الدولية، كما عبر الحياد الإيجابي عن موقف حضاري عندما رفع شعار: “لا شرقية ولا غربية” لضمان السلم في العالم.

فمن الناحية الايديولوجية يعني الحياد الايجابي الوقوف على صعيد العلاقات بين الدول والتعايش ضمن إطار التباين بين الأحزاب والمنظمات في إطار الدولة الواحدة، فالحياد عندما يعني: التحرر من هيمنة القوى الكبرى، أي يقصد: منع تدخلها ثم تشويهها للقيم الحضارية الخاصة بكل شعب. أما من الناحية الإستراتيجية فإن العناصر الجيوبوليتيكية للعالم العربي متمثلة في ممرات وسواحل بحرية حيوية للأمن والتجارة الدولية إضافة لوجود ثروات مادية هامة كالبترول والغاز والمعادن، والقدرة على توسيع الإنتاج الزراعي والصناعي، كلها عوامل جوهرية دفعت القوى الكبرى للإستحواذ على الثروات واحتلاله عسكريا واقتصاديا وسياسيا، مما جعل لفلسفة عدم الإنحياز قوة معنوية خاصة للنضال ضد الإستراتيجيات الإمبريالية، عبر العمل على تحرير الإنسان والثروات المادية من سيطرة الشركات وقوى الإحتكار.

لقد كان للمفكر احمد ميشيل عفلق سياسات فكرية رئعة في بلورة مسألة عدم الإنحياز، وهذا ما دفع لدراسة تطور هذه الأفكار عبر تصنيف عناصرها، ولتحقيق هذا الهدف استخدمنا منهج تحليل المضمون الكيفي لعدد من النصوص والأحاديث السياسية له، حيث صنفت أبرز لثلاث موضوعات كالاتي:

1.قواعد السياسة الخارجية العربية

2.مفهوم الحياد الإيجابي

3.المباديء الجديدة للعلاقات الدولية

 

 أخيرا نأمل في إلقاء الضوء على جانب حيوي من فكر القائد المؤسس الخاص بدور الأمة العربية، وتأثيرها الإيجابي في الحياة الدولية المعاصرة نحو عالم يسوده السلم والأمن والوفاق.

1.قواعد السياسة الخارجية العربية

اختلفت نظرة حزب البعث العربي الاشتراكي في السياسة الخارجية عن نظرة النظم والأحزاب ذات الطبيعة الإنتهازية والإرتجالية التي تؤدي للتناقض أو الغموض والتذبذب الدائم، ويسمح بتسخير السياسة القومية للأغراض والمصالح الشخصية، كما تميزت سياسة حزب البعث عن سياسة الأحزاب الشيوعية العربية التي انطلقت من “نقطة مذهبية مصطنعة،هي خارج دائرة الأمة العربية وجو روحها ومصلحتها وظروفها”، فالبعث العربي يستمد سياسته من أيدولوجية حضارية خاصة،تتصل بمبادئه العربية

الإنسانية،هذه السياسة ترتكز على القومية العربية،أي بعمل يوحي من مصلحة الأمة العربية وحاجتها ورسالتها الإنسانية”.

لقد جاءت مواقف البعث العربي في السياسة الخارجية تعبيرا عن روح الأمة العربية وإرادتها في مقاومة الإستعمار، عربيا ودوليا، وهذا يعني: “الدفاع عن حرية الشعب العربي وجميع الشعوب المستعمرة”. لقد عارض الأستاذ احمد ميشيل عفلق السياسة الواقعية للحكام والأحزاب المؤدية لمهادنة الإستعمار، وندد بمواقف الأحزاب الشيوعية العربية التي تنسجم مع التوسع الإستعماري، بما يتلاءم مع المصالح الدولية للاتحاد السوفيتي. لذا قدم كمفكر بديلا سياسيا يرى: “أن مصلحة الشعوب هي في أن يدافع كل شعب عن حريته واستقلاله، وأن يقوم بين الشعوب المتنافسة في سبيل حريتها تساند وتعاون حر، فليس ما يثبت إن كل دفاع من مصالح الإتحاد السوفييتي، وكل تمويه له يعود حتما بالنفع على حرية الشعوب” ، لأن السياسة السوفييتية تخضع للمصالح وللأهداف الرأسمالية للدولة، التي لا تنسجم بالضرورة مع مشكلات الشعوب التي تناضل ضد الإستعمار.

لقد نظر الحزب إلى سياسة الصراع بين المعسكرات نظرة استقلال وحياد، مؤكداً على رفض سياسة الإنحياز إلى أحد الطرفين، أي “رفض سياسة تقسيم العالم إلى كتلتين متصارعتين وطالب بالعمل على: “فسح المجال لتعايش الشعوب ضمن الأنظمة المختلفة الملائمة لحاجات وميزات كل منها”، إن سياسة الحياد في فكر القائد المؤسس تتصل بالموقف الأيدولوجي، فهو: “يؤمن باتجاه ثالث فوق الإتجاهين البارزين في هذا العصر” ، والذي يتمثل بسياسة الحياد، لأن مصلحة البلدان العربية لا تكمن بالإنحياز إلى جانب إحدى الكتلتين أو دولها، لذا يفترض أن تكون السياسة الخارجية للدول العربية “سياسة حياد في النزاع القائم بين الكتلتين العالميتين”  ، أي التأكيد على رفض الإرتباط بمعاهدات مع الدول الإستعمارية، لأنها عدوة الحرية واستقلال ووحدة العرب. إن السياسة الخارجية العربية وهي تعبر عن رفض الأحلاف فإنها تؤكد على عدم قبول الدول العربية الخضوع لإحدى المعسكرين، لأن التبعية تتناقض مع إيمانهم ببناء الإشتراكية والحرية والعمل لتحقيق الوحدة، للمساهمة بفعالية في دعم الجهود المبذولة لضمان السلام والأمن الدولي  ، فالسياسة الخارجية يجب أن تكون مستقلة لكي يتعزز استقلال البلاد، ولا يمكن أن تكون مستقلة إلا إذا التقت مع الأهداف القومية وبما ينسجم مع تحقيق المصالح العربية.

وبالفعل تعززت خلال الخمسينات وتوسعت جبهة الشعوب المتحررة من الإستعمار والمؤمنة بتطبيق سياسة مستقلة عن استراتيجيات الكتل العالمية.

وتطور موقف الإتحاد السوفييتي، حسب اعتقاد الأستاذ احمد ميشيل عفلق نحو القبول بفكرة: التعاون الحر الذي يحترم خصائص الشعوب وظروفها الخاصة،ومشروعية إقامتها أو وصولها إلى الإشتراكية بطرقها الخاصة. إن تغيير السياسة السوفييتية في عهد خروشوف شجع الحكومات العربية للمضي في سياسة الحياد الإيجابي والتعاون مع الحياد السوفييتي، لأن مصلحة الأمة العربية ومصلحة الإتحاد السوفييتي تلتقيان  في النضال من أجل “التحرر السياسي والإقتصادي من الإستعمار الغربي” ، الذي يشكل وجوده في العالم العربي خطرا يهدد أمن وسلامة السوفييت. لذا فالدعم السوفييتي للقضايا العربية وتزويد عدد من الدول العربية بالسلاح وبالمعونات الإقتصادية كانت بهدف منع الاستعمار من استخدام العالم العربي كقاعدة لعملياته العسكرية، أو لتوسيع هيمنته الإقتصادية عبر السيطرة على الثروات العربية، إذا كل خطوة يخطوها الشعب العربي في طريق تحرره من قيود الإستعمار وتغلبه على أوضاعه المختلفة يجب أن يرافقها ارتفاع مقابل في المقاييس القومية  ، أي في العمل على “تعزيز الإستقلال من الداخل بتقوية جيشنا وتصنيع بلادنا واستثمار ثروات أرضنا،وتوحيد أجزاء وطننا العربي على أسس سليمة تكفل لنا الدفاع عن وجودنا وقوميتنا” .

لذا يعتقد “أن اندفاع العرب الطبيعي المشروع في طريق التحرر والتقدم يشكل بذاته خطرا كبيرا على مصالح الإستعمار”  عربيا وعالميا، لأن النضال العربي اتخذ ملامحه الواضحة في المطالبة بالحرية لجميع الشعوب. ان الشعب العربي يطالب إذا: “بالتحرر من الإستعمار والإستثمار، ومعركته معركة شعب لا معركة طبقة في سبيل حياة حرة كريمة مبدعة وشعبنا في هذا يلتقي مع اتجاه العصر،أي مع اتجاه الشعوب ومع التقدم البشري العام” .

2.مفهوم الحياد الإيجابي

يفترض من القوى العالمية أن لا تنظر للعالم العربي باعتباره موقعا استراتيجيا ومصدرا للثروات لتبرير إخضاعه للمصالح الإمبريالية العسكرية والإقتصادية والسياسية، لأنها بذلك تنتزع من الأمة العربية حقها في تقرير مصيرها لتبقى مجزءة ومتنافرة، لذا يتوجب على الدول الكبرى في عصرنا الراهن الأخذ بنظر الإعتبار: الأماني المشروعة للشعب العربي في نضاله من أجل الحرية والوحدة القومية والتقدم، وهذا ما يشجع العرب على مد يد الصداقة والتعاون إلى الشعوب التي تظهر تفهما للقضايا، ومناصرة فعالة له، لكن الفروق المذهبية والعقائدية بينه وبين هذه الشعوب كبيرة .

إن الذي يبعد النفوذ السوفييتي عن البلاد العربية هو ابتعاد الإستعمار وجلاءه التام عنها ، وهذا ما يمكن الأمة العربية من تحقيق أهدافها القومية في التحرر والوحدة، لضمان استقلاليتها على صعيد العلاقات الدولية، فعلى هذا الأساس “آمن العرب بسياسة الحياد الإيجابي” ، “التي ترفض سياسة المعسكرات، وترى في الإبتعاد عن الإنحياز إلى أحد الطرفين ضمانة لحريتها ومساعدا لها على بلوغ طريقها المستقل”  . لقد أدت هذه السياسة إلى ظهور الشعب العربي كقوة واحدة في مواجهة الكيان الصهيوني والإمبريالية، وكل ما يهدد السلم والإستقرار العالمي، مما عمق الإحساس بين “جميع الشعوب المتعلقة بالسلم، بوحدة المصلحة والمصير مع الحركة العربية التحررية”. لقد دفع هذا الإنسجام في الكفاح بين الأمة العربية والأمم والشعوب في العالم الثالث لاهتمام دول باندونغ “بالنضال العربي الذي حمل لواء تحقيق مباديء باندونغ في تحرير شعوب آسيا وأفريقيا وتوطيد دعائم السلم العالمي”  .

لقد عانت الأمة العربية من آثار الظلم والعدوان بفعل الهيمنة الإستعمارية “والتعصب العنصري والديني” مما أكسب النضال العربي تجربة انسانية عميقة، تحولت إلى عنصر أساسي في تكوين العالم “العربي المعاصر” الذي يؤمن بأهمية التفاهم المتبادل والتعاون المشترك بين الشعوب، كبديل ضروري وحضاري عن سياسة التسلط الإمبريالي.

وللمفكر ميشيل عفلق رؤيا خاصة حول توازن مركزي الإستقطاب في العالم، حيث يعتقد أن “ليس من مصلحة الأمة العربية في المرحلة الحاضرة من التاريخ أن ينهار أي من المعسكرين الرأسمالي أو الإشتراكي” ، لأن تراجع القوى الإشتراكية يعني هيمنة الإمبريالية على العالم الثالث، اقتصاديا وسياسيا، أما اندحار الرأسمالية، فبمعنى سيادة الشيوعية على العالم، وما يحمله من مخاطر في انكار الحقوق القومية للشعوب ومصادرة للحريات الإنسانية، لهذا آمن ابناء الامة العربية بفكرة الحياد الإيجابي، الذي لا يجد مبرراته في الأهداف السياسية والإقتصادية فحسب، بل ليميز أيضا موقف العرب من مسألة الحرية في مجال العلاقة بين البلدان والأحزاب والمنظمات العربية، أو على صعيد الموقف من الصراع الدولي السياسي والأيدولوجي المؤثر على الدور الحضاري للأمة العربية.

لذا فإن مصلحة البلدان العربية ترتكز على تنمية علاقات التوافق بين القوتين الكبرى “يتطور المعسكر الرأسمالي نحو الإشتراكية ويتطور المعسكر الإشتراكي نحو الحرية في داخل الإتحاد السوفييتي،ونحو الإعتراف بحقوق القوميات الأخرى في طريق تحقيق الإشتراكية” ، لأن رفض انهيار إحدى القوتين يعني رفض الحرب والتأكيد على أهمية السلم والأمن الدولي. هذا هو المعنى العميق للحياد الإيجابي الذي آمن به المفكر ميشيل عفلق، كما آمنت به شعوب آسيا وأفريقيا، والذي يعني: “التطلع إلى موقف جديد شامل، يرتفع فوق التضاد بين الإشتراكية والرأسمالية” ، ويتعمق في وضع حلول جذرية للمشكلات الإنسانية بما يضمن العلاقات الدولية، على أساس من الإحترام المتبادل المبني على التعاون بين الشعوب والدول.

إن المستوى الجديد للعلاقات الدولية يتطلب “التحرر التام من كل نظرة مذهبية بغية إعادة النظر في جميع النظريات والمذاهب لتوفير الشروط التي تسمح بالتخلص النهائي من منطق الصراع بين هذه النظريات بشكل واقعي سلمي”، وهذا ما يؤكد الدور الإيجابي للحياد عبر إسهامه في خلق التعايش وتعميق التعاون، ليس بين شعوب العالم الثالث المؤمنة بهذه السياسة، بل بين شعوب وبلدان الشرق والغرب، لتنمية المصالح المشتركة.

إن سياسة الحياد كما يراها الأستاذ ميشيل عفلق: “لا تعني رفض التعامل مع الغرب بل رفض احتكار العرب لهذا التعامل،وتقبل بالتعامل مع الغرب والشرق على السواء،تحقيقا لمصلحة شعوبها” ، لأن الحياد الإيجابي يتحمل مسؤولية منع انفجار الصراع بين الديمقراطية بمعناها العميق الشامل وبين العدالة الإجتماعية في صورتها الإشتراكية الكاملة.

إن النظرة العربية الإنسانية للعالم يجسدها: “حرصهم على حريتهم واستقلالهم ووحدتهم” وفي ذات الوقت “ينظرون إلى مستقبل العالم من خلال نظرتهم إلى مستقبلهم”،أي في “عالم يكون العرب فيه أمة حرة مستقلة موحدة”، أسوة ببقية الشعوب المقهورة، وهذا ممكن عند القضاء نهائيا على الإستعمار، وأخلاقه العسكرية والإقتصادية والسياسية. لقد حقق العرب في أقطارهم خطوات متباينة على طريق التقدم عندما انتصروا في كفاحهم ضد الإستعمار، إنه انتصار للحيوية، جسد تطورا في الفكر والإقتصاد وفي التربية السياسية والتنظيم، وكلما ازددنا تقدما في تحررنا الخارجي علينا أن نقضي على التفاوت بين الطبقات ، من أجل بناء المجتمع الديمقراطي التحرري.

إن سياسة الحياد والإستقلال ليست غاية في حد ذاتها بل هي سبيل لبلوغ أهداف سياسية تتمثل في الدعوة لإقرار سلام عالمي على أساس المساواة بين الشعوب وبما يمكن من إبعاد العرب عن مخاطر الحروب وعن صراع القوى الكبرى في محاولتها لتسيطر على الثروات الإستراتيجية البترولية والمعدنية “إن الفقر والحرب يهددان السلم والرخاء العالميين”  بفعل عدم قدرة الشرق والغرب على تقديم حلول جذرية للمشاكل الرئيسية التالية: توفير مستوى لائق من المعيشة لجميع البشر، توفير الحرية لجميع الشعوب وتمكينها من تحقيق وحدتها القومية، منع الحروب.

إن جمع الأحزاب الإشتراكية المناهضة للإستعمار مع حركات التحرر الممثلة للشعوب المستغلة حديثا، شكلت العناصر الأساسية خلال الخمسينات والستينات، لإقامة معسكر السلم والإشتراكية، الذي يتمتع بالإستقلالية عن سياسة الأحلاف السياسية والعسكرية والإقتصادية، ويمثل الكتلة الدولية الجديدة للحفاظ على التوازن الدولي عبر العمل من أجل:

1.إلغاء جميع المعاهدات الأجنبية.

2.إجلاء جميع القوات الأجنبية المحتلة ورفض مشاريع الدفاع المشترك.

3.تأميم النفط،وكافة الشركات الإحتكارية وجميع المرافق العامة.

4.إعلان الحياد الفعلي.

من المؤكد أن الإستعمار والإستعمار الجديد يتحمل جانبا من المسؤولية في بقاء العرب مجزئين ومتخلفين عن آفاق التطور الحضاري في العالم، كما كان اعلان تأسيس دولة الكيان الصهيوني أحد أهم العوامل المهددة للأمن القومي العربي بصورة دائمة.

بناء عليه يفترض أن يتسم موقف العرب من الصراع بين القوتين الكبرى: بالحياد والإستقلال، لأن الإستقلالية قادرة على المساهمة في التخفيف من مخاطر نشوب حرب عالمية نووية، لن تؤدي إلا لدمار وفناء الحياة الإنسانية.

3.المباديء الجديدة للعلاقات الدولية

لقد بلغت القومية العربية مرحلة من النضج تمكنها من الإنفتاح على مختلف الإتجاهات الأيدولوجية لتتفاعل مع تطور الوعي الإنساني، هذا الإنفتاح: يغذيها ويقويها ويساعدها على توضيح معالم شخصيتها وخصائصها.

وبعد النجاح الذي حققته القومية العربية وأفكار باندونغ تحول ميزان القوى إلى جانب البلدان العربية، وبلدان آسيا وأفريقيا، أي مع حركة التحرر والوحدة والسلم، فالنجاح في تحقيق التضامن بين شعوب العالم الثالث مكن من تطوير فعاليتها في مقاومة الإستعمار والإستعمار الجديد، وبما يؤمن وضع قواعد جديدة في الحضارة الإنسانية.

لقد تميزت حركة القومية العربية بالقدرة على “الإنشاء والبناء”  في إطار الفكرة الإنسانية الشاملة القائمة على وحدة المصير الإنساني، ووحدة قضية السلم والحرية والتقدم لجميع شعوب الأرض، وهذا يعني أن القومية العربية تحولت إلى قوة انسانية خلاقة من أجل:

  1. لكفاح ضد الإستعمار
  2. لعمل من أجل الحرية
  3. المساهمة في بناء السلم العالمي

لقد تميزت السياسة العربية التحررية بنقطتين:

الأولى مجابهة الأحلاف، والثانية كسر احتكار السلاح، وهذا يعني رفض السياسة النقدية القائمة على وقف التعاون مع الدول الإشتراكية بهدف الإنتقاص من استقلالية البلدان العربية لإبقائها خاضعة للنفوذ الرأسمالي، أما السياسة العربية التحررية فارتضت بموقف مبدأي تمثل: بالحياد الإيجابي الذي يمكن العرب من توفير فرص جديدة لتطوير قدرتهم الدفاعية لمنع العدوان ولمساندة حركات التحرر في آسيا وأفريقيا، إن الحياد الإيجابي يدعم تحرر العرب ويقرب خطواتهم نحو الوحدة، لأن الحياد يضمن القوة للوحدة العربية،وكلما اقترب العرب من الوحدة سيتعزز الحياد الإيجابي.

إن الحياد الإيجابي يعني للعرب: أنموذج في بناء المجتمع التقدمي العصري، وهذا النموذج يقدم فرصة لإعطاء الرسالة العربية معناها الإنساني المعاصر. “هكذا يشعر العرب أن في حرصهم على الحياد الإيجابي لا يحرصون فقط على حريتهم وإنما على وحدتهم أيضا، وإنهم في حفاظهم عليه وتمسكهم به إنما ييحافظون على رسالتهم القومية ويتمسكون بها.  فالسياسة العربية التحررية الملتزمة بالحياد الإيجابي كشفت عن دور الأمة العربية في النضال ضد مختلف أشكال الهيمنة، وأمدت هذا النضال بوسائله الفعالة في القوة العسكرية والإقتصادية، وساعدته على كسب تأييد الرأي العام العالمي لقضية العرب القومية، إن هذه السياسة، هي الوسيلة الوحيدة الضامنة لاستمرار سير الشعب العربي في الإتجاه التقدمي ، الذي يقي قوميته من كل استغلال وتشويه، ويسمح للأمة العربية أن تحتل مكانها في الكيان الدولي لتقوم بدور فعال في السياسة الدولية، وفي سبيل تخفيف حدة التوتر وتصفية المعسكرات وتدعيم الحرية والإستقلال لكل شعب من الشعوب، الأمر الذي لا سبيل بدونه لخلق الجو المناسب والشروط الملائمة لتدعيم السلم العالمي.

الحياد الإيجابي هو الذي يعكس هذه السياسة القومية العربية في المجال الدولي، هذه السياسة: “لا تريد أن تكون تابعة لأي من سياسة الكتلتين فهي تعني أول ما تعني

 التعامل مع جميع الدول دون تفريق بسبب نظامها الإجتماعي أو الإقتصادي أو السياسي” ، “فسياسة القومية العربية تتعامل مع السياسة الدولية شرط استناد العلاقات الدولية على: “أساس من احترام السيادة، وعدم تدخل بلد ما في شؤون البلد الآخر” ، أي أن سياسة الحياد تمثل جوهر السياسة العربية القومية، التي تعمل على ضمان الإستقلال والحرية وتعزيز القدرات الدفاعية للأمة العربية، ومن أجل تحقيق الوحدة والتقدم ولبناء السلام في الشرق الأوسط والعالم.

إن تجربة الشعوب الآسيوية والأفريقية تعمقت منذ مؤتمر باندونغ عام 1955م، ولغاية المؤتمر الأول لبلدان عدم الإنحياز الذي انعقد في بلغراد عام 1961م، حيث تبلور مفهوم عدم الإنحياز كبديل عن تعبير الحياد الإيجابي، لقد واكب حزب البعث العربي الاشتراكي هذا التغير، مؤكدا على عدم حيادية الحزب في الصراع بين التحرر والإستعمار أو بين الإشتراكية والرأسمالية، وعلي رفض سياسة المحاور أو التبعية، والعمل على تشجيع سياسة عدم الإنحياز وتوسيع التعاون مع الأحزاب والدول التي تكافح مختلف أشكال الإستغلال، وتعمل على تحقيق المجتمع الإشتراكي.

إن عدم الإنحياز يعني الإستقلالية تجاه المحاور والإيمان بأهمية تحقيق السلام العالمي على أساس من العدل، لأن في رفض المحاور: “خدمة لقضية السلم من حيث أنه يساعد في خلق قمة واسعة تخفف من حدة التناقض بين العملاقين المتصارعين” ، كما يوفر عدم الإنحياز فرصة للشعوب للتعبير عن موقفها تجاه القضايا القومية والعالمية، ولتحقيق التوازن والتضامن والأمن والسلم بين الدول.

4.خاتمة واستنتاجات

لقد تبلورت الأفكار الأساسية للأستاذ احمد ميشيل عفلق حول أهمية مكافحة الإستعمار والإستعمار الجديد، والعمل على دعم الشعوب في نضالها من أجل الحرية، وتنمية التعاون بين الأمم لضمان الرفاهية والسلم، مع التأكيد على استقلالية السياسة العربية في الموقف والتطبيق، من صراع القوتين الكبرى في حينها، لقد جاءت مباديء باندونغ منسجمة تماما مع تصورات مفكرنا العربي الكبير ونظرته حول أهمية إعادة بناء النظام الدولي الذي تكون بعد مؤتمر باندونغ بالشكل الذي يضمن احترام حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والإلتزام بالإمتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم القيام أو التهديد بالحرب.

لقد بقيت حركة عدم الإنحياز أمينة على المباديء التي طرحها القائد المؤسس، وجمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتو، عبر التأكيد على: إزالة الإستعمار، وإنجاز التحرر والإستقلال الوطني، وضمان حق تقرير المصير للشعوب في اختيار طريق تطورها الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والثقافي، لضمان التعايش السلمي كقاعدة لتأمين توسيع المشاركة الفعالة لجميع الدول في الحياة الدولية، وبما يمكن من تحقيق ديمقراطية العلاقات الدولية.

إن الأيدولوجية العربية تعبر عن سياق فكري ونضالي هدفه تحقيق الوحدة العربية كنموذج تتسع فيه إمكانات الحياة الديمقراطية والإشتراكية والإنسانية، وبما يحفز في الأمة العربية الروح الحضارية الجديدة للمساهمة بفعالية في بناء عالم جديد غير منحاز تسوده علاقات دولية قائمة على احترام الشعوب وحقها في تقرير مصيره.

لقد عبر إيمان البعث “بالحياد الإيجابي وعدم الإنحياز عن نظرة مستقبلية” ، لأن العروبة الحديثة قد تجاوزت بمفهومها القومي الإنساني والإشتراكي المفهوم القومي الليبرالي، وكذلك المفهوم الأممي الماركسي المبني على التناقض بين الإشتراكية والقومية، “فالقومية العربية أصبحت تعني: الثقة بالأمة والنظرة الإيجابية إلى الإنسان” ، وهي تعني: “الإستقلالية لتأكيد الخصوصية مع ضرورة الإنفتاح على العالم وتجاربه المعاصرة” .

هذه هي أبرز عناصر مفهوم عدم الإنحياز في فكر المؤسس ميشيل عفلق الذي دافع عن قضية كبرى هي قضية الحرية والذي نجح بتحرير الأيدولوجية العربية من القوالب النظرية والعقائدية الجامدة، لأن الأفكار تكون دائما في حالة إعادة بناء .

 

 

مشاركة المحتوى
Author: