القيادة القومية: في الذكرى العاشرة لانطلاق الحراك الشعبي .. ليجدد الشارع العربي نبضه ويستعيد حضوره لإنجاز التغيير الوطني ومواجهة نهج التطبيع

القيادة القومية: في الذكرى العاشرة لانطلاق الحراك الشعبي .. ليجدد الشارع العربي نبضه ويستعيد حضوره لإنجاز التغيير الوطني ومواجهة نهج التطبيع

 

دعت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الى تجديد الحراك الشعبي واستعادة الشارع العربي لنبضه، الذي أطلقت شرارته ثورة الياسمين في تونس، وعلى قاعدة جدلية العلاقة بين اهداف النضال السياسي الاجتماعي والنضال القومي ومقاومة نهج التطبيع.

جاء ذلك في بيان للقيادة القومية في الذكرى العاشرة لانطلاق الحراك الجماهيري ضد استلابها الاجتماعي والذكرى الثلاثين للعدوان على العراق وفيما يلي نص البيان:

 

قبل عشر سنوات ،كانت الامة العربية على موعدٍ مع حدثٍ جماهيريٍ عظيم ،إنطلقت شرارته من تونس الخضراء ،وامتد لهيبها لتشعل ميادين القاهرة ودمشق وصنعاء ،في أوسع حراك جماهيري توحد حول شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” ، لغاية إنتاج نظم سياسية تعيد الاعتبار لدور الجماهير وحقها في العيش الحر الكريم.

 

إن هذا الحراك الذي إستطاع ان يسقط نظماً، كما حصل في تونس ومصر ، تم الانقضاض عليه في ساحات أخرى، بعدما اُ ستدرجت قواه الشعبية الى المربع الأمني، الذي تتقن الأنظمة الاستبدادية إدارته والتحكم بمساره،وأدى الأمر الى حرفه عن أهدافه الوطنية والقومية وسياقاته السلمية الديمواقراطية كما حصل في سوريا وليبيا واليمن والعراق بعد اندحار قوات الاحتلال الأميركي ،ونزول الجماهير الى الساحات والميادين مطالبة بإسقاط العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال، وإقامة سلطة وطنية تعيد للعراق امنه واستقراره الداخليين، وتحقق وحدته الوطنية ارضاً وشعباً ومؤسسات، وتسوره بجدار من الأمن الوطني يحول دون اختراقه من مداخله وتخريبه من داخله.

 

لقد أسبشرت الامة العربية خيراً ، يوم صدحت أصوات الجماهير في ميادين عواصمها ومدنها وهي تدعو للتغيير بوسا ئط التعبيرات الديموقراطية ، إيذاناً باستعادة الجماهير لحضورها النضالي ضد إستلابها الاجتماعي والوطني والقومي ،وإستعادةً لنبض الشارع العربي ،الذي إفتقده منذ عقود بسبب القمع السلطوي المفرط من جهة، وإرتفاع وتيرة العدوان الخارجي على الأمة من جهة أخرى، وكان أفظعه وأمرّه ماتعرض له العراق وما يزال ،وهو يطوي هذه الأيام ثلاثة عقود من العدوان الثلاثيني عليه ،بعد حرب ضروس استمرت ثماني سنوات مع ايران،في معركة العز والشرف ،معركة قادسية العرب الثانية.

 

إن الجماهير العربية التي انطلقت بحراكها الشعبي ،قبل عشر سنوات وبكل ماآل اليه من إنجازات وإخفاقات، لأسباب ذاتية تارة وموضوعية تارة أخرى ،اثبتت ان الامة العربية تملك من الحيوية النضالية الكامنه في ذاتها ،مايجعلها قادرة على بعث ذاتها ،وإثبات وجودها بإطلالات نضالية جديدة،تحت عناوين الفعل المقاوم للإحتلال ، وتحت عناوين الإنتفاض ضد الأنظمة التي صادرت إرادة الجماهير وأقفلت أبواب التغيير وتداول السلطة امامها، وشرعت لنفسها قوانين التأبيد والتوريث وإقامة علاقات مع الخارج الدولي والأقليمي معاكسة الإرادة الشعبية لجماهير الامة ،التي حُرمت من ممارسة دورها في تحديد الخيارات الوطنية الكبرى ،وفي البناء الاقتصادي الداخلي ،الذي حولته المنظومات السلطوية الحاكمة الى اقتصاد ريعي، استفادت منه منظومات سلطوية مع قلة من الحاشية الملتحقة بها ، مارس بعضها نهباً منظماً للمال العام ، وبعض ثانٍ ، وضع الاقتصاد الوطني في خدمة تمويل مشاريع القوى الإقليمية المتغولة في الوطن العربي ،وبعض ثالثٍ ،جعل من الثروة الوطنية ،مادة مقايضةٍ لشراء الامن لنظامه وادامة حكمه.إن كل ذلك ساهم في إفقار الشعب العربي في مختلف أقطاره ،وحرمه من حزمة الخدمات الأساسية الضرورية لأمنه الاجتماعي والمعيشي ، وأوجد أرضية لمبررات اللجوء إلى صناديق الاستثمار الدولية لضخ مساعدات أو قروض ، ارتبط تقديمها بسلة شروط قاسية ، تبدأ بتحريرسعر صرف النقد الوطني وأسعار السلع والخدمات الأساسية ، وتنتهي بالشروط السياسية وأخطرها التطبيع مع العدو الصهيوني.

 

إن هذا الواقع السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي المتدهور،الذي تنوء تحت اعبائه الضاغطة الجماهير العربية ساهم في إستفحاله التخريب في البنى المجتمعية العربية الذي مارسته وتمارسه قوى ميليشيوية ذات بنية مذهبية واثنية وجهوية، محمولة على رافعات قوى العدوان الخارجي ،من التحالف الصهيو – أميركي المتاهي مع تغول النظام الإيراني والتدخل التركي وما اسفر عنه من تهيئة مناخات شعبية ملائمة لإنطلاقة إنتفاضات شعبية في العديد من الأقطار العربية ،كالذي شهده السودان والعراق ولبنان والجزائر،وتلك التي تعيد إنتاج نفسها في تونس اليوم.

 

لقد إستطاعت جماهير السودان أن تسقط نظام التمكين والإستبداد والفساد بكل أشكاله ،وتقيم سلطة إنتقالية بهدف التأسيس لنظام سياسي جديد ،ينهي القتال بين المركز وبعض مكونات شعبه ،ويعيد جمع مكوناته للتظلل بخيمة الوطنية السودانية ، ويحقق عدالة انتقالية واجتماعية وحوكمة سياسية واقتصادية ،ويبني اقتصاداً وطنياً يكون قادراً على تلبية حاجات الشعب ويحد من اعتماده على القروض والمساعدات الخارجية من الدول وصناديق الاستثمار الدولية وهي التي تربط تقديم المساعدات والقروض بشروط سياسية، أخطرها تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني ،وهو الذي قاومته وتقاومه بشدة القوى السياسية الوطنية والشعبية مع اصرارها على التصدي ومواجهة أية منظومة سلطوية تعمل لتمرير التطبيع وهي التي أسقطت نظام البشير ، نظراً لمخاطره على الأمنيين الوطني والقومي ،فضلاً عن كونه يشكل إنتهاكاً صارخاً لكل الإرث الوطني المشبعة بروحيته، جماهير السودان التي لم ولن تنسى ان عاصمتهم استضافت قمة اللاءات الثلاث.

 

وفي العراق الذي واجه عبر تاريخه الطويل أخطر أنواع الاحتلالات ، ويواجه اليوم الاحتلال الإيراني الاستيطاني بطبيعته كما الاحتلال الصهيوني لفلسطين ، فإن جماهيره أطلقت انتفاضة شعبية عارمة ضد الإحتلال الأميركي العائد تحت عنوان التصدي لما يسمى القوى الإرهابية، والتي اثبتت سياقات الاحداث انها منتج إيراني أميركي مشترك يتم توظيفه والاستثماربه لضرب وحدة العراق وتفتيت نسيجه الاجتماعي وتهجير سكانه وإحداث تغيير في تركيبه الديموغرافي بما يخدم اجندة اهداف نظام الملالي ،الذي يتستحضر في تعامله مع الوضع العراقي كل حقده الشعوبي الدفين ضد العروبة وعدم نسيان سقوط امبراطوريته في القادسية الأولى وهزيمته في القادسية الثانية والدلالات التي انطوت عليه معركة ذي قار التي قال فيهاالرسول العربي النبي محمد ( ص ) ،”هذا أول يوم تنتصف فيه العرب من العجم “.

 

ان ذي قار التي تُمسك اليوم براية إستمرار الانتفاضة الشعبية التي إنطلقت على نطاقها الواسع في تشرين الأول من العام الماضي ، وجهت رسالة للقاصي والداني ،وخاصة النظام الايرني والقوى العميلة المرتبطة به ، بان الإنتفاضة الشعبيةالتي إنطلقت ضد منظومة الفساد الناهبة لثروة البلد والمنعدمة الإحساس بأية مسؤولية وطنية تجاه الشعب ، هي واينما تمركزت فعالياتها النضالية، فإنها تعبر من خلال مواقفها وشعاراتها عن الكل الوطني وأهدافه التي تتمحور حول قضاياه السياسية والاجتماعية والخدمية خاصة بعدما أخذت بُعداً وطنياً تصدرت عنوان حراكه الدعوة لطرد ايران وانهاء كل اشكال نفوذها وتأثيراتها في كل مناحي الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

وأن تستمر جماهير العراق بإنتفاضتها رغم ماتتعرض له من عدوان موصوف من النظام الإيراني والقوى الميليشيوية المرتبط به، وتصفية المناضلين وشباب الحراك ،فهذا يعني ان العراق الذي يستعيد شخصيته الوطنية عبر إنتفاضة شعبه ،لم ولن يقبل بأن تفرض عليه وصاية سياسية وأمنية ،تمارسها سلطة قائمة بالإحتلال بهدف جعل العراق جرماً يدور في الفلك الإيراني ويشوه هويته الوطنية التي تبلورت شخصيتها منذ تأسست دولته الحديثة ، وتظللت بالعروبة كهوية قومية لها.

 

اما لبنان الذي يرزح تحت عبئين ثقيلين ، احدهما امني سياسي من جراء اتخاذ ساحته ،منصة لإدارة المشروع الإيراني في الإقليم بواسطة احد اذرعه الميليشيوية الذي يمثله “حزب الله”وما ترتب على ذلك من نتائج مدمرة على البنية الوطنية اللبنانية ، وثانيهما ،اقتصادي اجتماعي من جراء النهب المنظم لماليته العامة، وتسلط منظومة فاسدة على إدارة نظامه المحكوم أساساً بالمحاصصة الطائفية، وبما جعله على حافة الإفلاس المالي ، لم تعد معطياته الاقتصادية الداخلية قادرة على تأمين الادامة للانفاق الحكومي على القطاع العام وتوفير الحماية لسلة من الحقوق الاجتماعية والمعيشية الأساسية ،خاصة بعد الكارثة الوطنية التي حلت بالبلد بعد جريمة تفجير مرفا بيروت وما تولد عنها من ارتدادات حادة على الأمن الحياتي للمواطنين.وهذا ماجعل السلطة ترنو بأنظارها مجدداً، الى الخارج والصناديق المالية الدولية طلباً للمساعدة والتي يشترط مقدمو خدماتها تحقيق مايسمونه رزمة إصلاحات تبدأ بتحرير سعر صرف العملة الوطنية ،والتي تحرر سعرها في السوق الموازي وافقدها ستة اضعاف قوتها الشرائية ،منعكساً تضخماً هائلاً في حجم الكتلة النقدية المتداولة وارتفاعاً جنونياً في الأسعار.

 

ان لبنان الذي كان ينظر اليه بأنه بلد الوساطة المالية والقطاع الخدماتي ، إنتفضت جماهيره رغم الانشطارات الطائفية العامودية ، ضد منظومة الفساد والمحاصصة والإرتهان ،في واحدة من أهم الانتفاضات الشعبية العربية التي جمعت طيفاً سياسيا ً وشعبياً واسعاً عابراً للطوائف والمناطق ،واستطاعت انتفاضته أن تسقط حكومتين وتعري السلطة الحاكمة بكل أطرافها وتسقطها اخلاقياً وتضعها في دائرة الإتهام تمهيداً لمساءلتها ومحاسبتها.

اما تونس التي انطلقت منها شرارة الحراك ، فإن جماهيرها عادت الى الساحات والميادين ، لتعيد الى الثورة نقاءها السياسي، بعدما حاولت بعض القوى حرف الانتفاضة عن مسارها ومضمونها التغييري الوطني الديموقراطي، وضرب مدنية الدولة، وإلباسها لبوساً دينياً لربطها بعجلة أحلاف تديرها مراكز تقرير من خارج الوطن العربي تهدد الامة العربية في مغربها بوجودها وهويتها القومية ،إسوةً بالتهديد الذي تتعرض له من مشرقها ،بحيث بات هذين التهديدين المداران من مداخل الوطن العربي الشرقية والشمالية يتكاملان بالنتائج ،لجهة احداث تفتيت في بنى المجتمع العربية وبما يشكل خدمة استراتيجية للمشروع الصهيوني.

 

اما الجزائر التي نامت طويلا، على وقع التمديد في السلطة ، واستمراء اركانه للفساد المالي والإداري فإن جماهيرها لم تكن اقل حيوية من ساحات عربية أخرى، استفاقت على الواقع السياسي الفاسد والاقتصادي والاجتماعي المتدهور ،ونزلت جماهيرها الى الميادين مطالبة باسقاط سلطة الفساد وتسلط المنظومة الأمنية على إدارة شؤون البلاد والعباد ،وقد استطاعت فتح كوة في جدار الإنسداد امام الإصلاح السياسي والدخول في عملية إنتاج سلطة جديدة على قاعدة تداولها وفق الاليات الدستورية وسياقاتهاالديموقراطية ،وهي وإن لم تصل بعد الى مآلاتها النهائية بسبب تجذر الفساد في بنية الدولة العميقة الا انها أرست ركائز للتغيير السياسي.

 

ان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، اذ تطل على الواقع العربي من خلال معطى بعض ساحاته المنتفضة ،فإنها تؤكد بأن هذه الامة التي تواجه تحديات ومخاطر عديدة ،هي امة تنبض بالحياة ، وهي وان سقطت او أُسقطت بعض أنظمتها ،إلا أنها لن تسقط لأن الأمم الحية لاتسقط بسقوط السلطات والأنظمة الحاكمة فيها ،فكيف اذا كانت امة تحمل في طياتها ارثاً تاريخياً عظيماً كالامة العربية ؟ وتختزن في ذاتها كل عوامل الانبعاث المتجدد وهي التي حملت رسالة حضارية للإنسانية ، ومهيأة لحملها في اللحظة الزمانية الذي تنضج فيها الظروف الموضوعية والذاتية ،وما مشهديات الانتفاضات الشعبية التي غطت كل ساحات الوطن العربي الا الاثبات على ذلك.

 

ان القيادة القومية للحزب ، اذ تطل على معطى الانتفاضات الحالية برؤية التفاؤل بالمستقبل ، فلأنها ترى فيها استمراراً لتلك التي شهدتها ساحات عربية سابقا وحاكت ثورة الياسمين في تونس وقبلها إنتفاضات جماهير فلسطين المحتلة المتواصلة والتي تعود بجذرها التاريخي الى يوم الأرض في ٣٠اذار ١٩٧٦.

 

ان هذه الانتفاضات الجماهيرية وان لم تستطع تحقيق كامل أهدافها في التغيير السياسي واستعادة القرار الوطني المستلب، الاانها اكدت جملة حقائق :

 

الحقيقة الأولى ، أنها أثبتت أن الجماهير العربية التي شطرها النظام الرسمي العربي الى كيانات أضفى عليها تسمية الدولة الوطنية ،ونسبّها الى جنسيات بعدد الدول ، إنما تقف على أرضية

 

موقف واحد تجاه قضاياها السياسية والاجتماعية كما أرضية الموقف من قضاياها القومية وبالأخص قضية فلسطين.وعندما تنادي الجماهير من مشرق الوطن الى مغربه بالتغييرالسياسي وتداول السلطة وإنهاء كل اشكال التوريث والتأبيد في السلطة ،وإقامة دولة الرعاية الاجتماعية بديلاً للدولة الأمنية التي لاتتقن سوى سياسة القمع ومصادرة الحريات وكم الافواه ،فهي إنما تؤكد بأن همومها وأهدافها واحدة ، وهي ترنو لإيجاد واقع سياسي تحكمه قواعد التعددية السياسية ،وإنتظام الحياة العامة على قاعدة المساواة في حقوق المواطنة وحرية المعتقد والرأي والتعبير.وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الامة العربية المقسمة الى كيانات هي موحدة بمطالب واهداف جماهيرها ، وانها بانتفاضاتها التي كانت تتفاعل معها الامة بكل جوارحها تجاوزت كل خطوط التقسيم المفروضة ، وان واقع حراكها في مختلف ساحاته تحكمه قاعدة الاوعية المستطرقة بحيث اذا إرتفع منسوبه في أنبوب إنعكس إرتفاعاً في الأخرى ،وهذا واقع عملى يؤسس عليه في عملية الإستنهاض الشامل للامة.

 

الحقيقة الثانية،إن الانتفاضات الشعبية التي إستطاعت إحداث تغيير في بعض ساحاتها وإن لم يكن كاملاً ،لايعني انها أصبحت في امان ،لانها عرضة دائماً للانقضاض عليها من الخلايا النائمة في الداخل والمعششة في بنية الدولة العميقة ، والعدوان من الخارج ، ولذلك يجب على قواها ان تبقى في أعلى درجات اليقظة والحذر وأن تعمل على هيكلة مجتمعاتها لتحقيق امتلائها بالبرامج السياسية التي تحاكي مصالح الجماهير وحقوقها التي حرمت منها وكانت عنواناً لاستلابها الاجتماعي، ولذلك فإن على قوى الانتفاضة وفي اية ساحة كانت ان تدرك ان المنظومات السلطوية التي اسقطها حراك الجماهير لن توفر وسيلة لاجل إعادة انتاج نفسها وإعادة الأوضاع الى سابق عهدها بالإستناد الى افرازات الدولة العميقة وقواها المغروسةفي المفاصل الإدارية والأمنية والاقتصادية، وهي التي تتماهى مع قوى الخارج التي تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة لانتزاع مواقف سياسية قاتلة خاصة تلك المتعلقة بالخيارات الوطنية.وبالتالي فإن على القوى الثورية أن تبقى في حالة جهوزية دائمة للدفاع عن إنجازاتها ،وتجديد نفسها بالعمل النضالي لمواجهة قوى ردة الداخل وتآمر وعدوان الخارج.

 

الحقيقة الثالثة، ان الانظمة العربية الرسمية التي تتغذى في وجودها السلطوي من واقع التجزئة ومن الارتهان للخارج الإقليمي والدولي والاستقواء به لقمع الحراك ومثاله الصارخ تعامل النظام السوري الوحشي مع الانتفاضة الشعبية عند انطلاقتها ولاقته قوى التخريب والتكفير التي اخترقت الحراك الشعبي لحرف عن مساره الديموقراطي.

 

إن هذه الأنظمة وان بدت في بعض الأحيان متعارضة في ادارتها لسياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية والإقليمية ،إلا أنها تبقى متوافقة على إبقاء الواقع التقسيمي للدول التي تمسك بسلطاتها ، لأنها لاتجد نفسها ألا ضمن معطياته.وعليه فإن على الجماهير العربية أن تسقط من حساباتها أي رهانٍ ، على تغييرٍ في معادلات الصراع الذي تخوضه الامة العربية ضد اعدائها الظاهرين والمموهين، بالاعتماد على هكذا أنظمة ،وتجربة العدوان على العراق وتضييق الخناق على الثورة الفلسطينية والتآمر على الحراك الشعبي خير مثال على ذلك.

 

الحقيقة الرابعة ، ان النضال الجماهيري لأجل التغيير السياسي الوطني بإتجاهاته التقدمية،لايستقيم إلا اذا اقترن بالنضال ضد الأعداء القوميين للامة العر بية.فاعداء الامة من الخارج وخاصة الذين يحملون مشاريع تدميرية للبنية القومية العربية، كالمشروعين الصهيوني والفارسي الشعوبي،يجمعهم حلف غير مقدس مع قوى الرجعية والتجزئة الكيانية والتخريب المجتمعي والتكفيرالديني ،وهذا مابدا واضحا من التهافت نحو التطبيع مع العدو الصهيوني وارسال الإشارات بإستعداد من يدعي المقاومة والممانعة بفتح قنوات إتصال معه للحفاظ على مواقعه في السلطة.ولهذا فإن على قوى الانتفاضة أن ترفع شعار مقاومة التطبيع بجانب شعارات التغيير السياسي الوطني إنطلاقاً من ثابتة وواقع ان العدو واحد وان تعددت اطرافه ، والأمة العربية المستهدفة ،واحدة وان تعددت ساحاتها.

 

الحقيقة الخامسة ، إن الانتفاضات الشعبية التي تختلج بها بعض الساحات العربية اليوم ، هي إنتفاضات ليست منفصلة عن سياقات الحراك الجماهيري العربي الذي سبق وإن تباعدت فواصله الزمنية ، فإن ماتشهده الساحات العربية الان هو إمتداد لتلك الانتفاضات ، وهي ستؤسس لواقع مستقبلي تكون فيه حركة الجماهير أكثر زخماً وأكثر فاعلية ،وقد استفادت من تجاربها وخبراتها الميدانية وتراكم المعطى النضالي الذي دُفع ثمنه جهداً وعرقا ودماً سال في الساحات والميادين وخاصة في ساحات العراق وفلسطين والسودان وتونس.

 

ان القيادة القومية ومن خلال تقييمها لمعطى الحراك الشعبي العربي ،إنما ترى فيه مؤشراً بالغ الأهمية لجهة الدور المعول على الجماهير في إحداث التغيير وإنجاز التحرير.واذا كان الحزب قد أستشرف ومنذ تأسيسه دور الجماهير في إنتزاع الحقوق السياسية والاجتماعية المستلبة وإسترداد الحقوق الوطنية والقومية المغتصبة، فلإدراكه بأن الصراع الذي تخوضه الامة ضد اعدائها ومعيقي تقدمها وتوحدها وديموقراطية الحياة السياسية فيها ،لايستقيم نصابه الطبيعي إلا اذا كان دور الجماهير فيه هو الحاسم في ادارته.وهكذا ما أكد عليه القائد المؤسس وكل ادبيات الحزب وأبرزها مقولة “ان فلسطين لاتحررها الحكومات وإنما الكفاح الشعبي المسلح”.واذاكان من أهمية يعول عليها لجهة الأبعاد التي تنطوي عليها الدلالات النضالية للانتفاضة الشعبية ،فهي دلالة البعد الشمولي الذي اتخذته وانشدادها الى مركزية أهدافها الوطنية وإسقاطها كل الترهات التي تروجها السلطات الحاكمة التي تعتبر الانتفاضة هي نتاج ايحاءات خارجية من اجل اضعاف ثقة الامة بذاتها وتصويرها بأنها امة متلقية دائماً.

 

ان القيادة القومية للحزب وفي الذكرى العاشرة على انطلاق باكورة الحراك من تونس والتي تعيد اليوم إنتاج نفسها لتقويم مسارها ،والى مصر التي لم تحقق جماهيرها مارمت اليه بعدما تم الالتفاف على شعاراتها من حركة الاخوان المسلمين التي رمت “اخونة” الدولة والمجتمع ،ومن بعدها إمساك مؤسسة الجيش بمفاصل السلطة ،التي لم ترتق بادائها الى مستوى ماعلقت عليها الجماهير من امآل بعد نزولها الى الشارع في ٣٠حزيران ٢٠١٣، ،الى سوريا التي قمع حراكها واخترق من قوى لاقت سلوك النظام بنهجه التدميري ،واليمن التي تم الانقضاض الحوثي المدعوم ايرانياً على مخرجات الحل الانتقالي فيه ، تبرز الانتفاضات الجديدة لتخوض صراعاً ضد أعداء خارجيين وداخليين مكشوفين ومموهين يمثلون الدولة العميقة لقطع حبل التواصل مع ماسبق من انتفاضات شعبية ،ودفع الواقع العربي الى مزيد من الانقسام والتشظي لإعادة رسم الخرائط السياسية بحدود تشكل الهويات الطائفية والإثنية والجهوية ،وهي التي تستبطن في ذاتها بذورالتنافر والاقتتال بما يجعل الامة العربية تواجه تحدياً جديداً ،هو تحد تشكل الهويات الطائفية القاتلة.

 

ان القيادة القومية وفي ظل الواقع العربي السائد ،ترى ان مايعبر عن حقيقة الامة ليس نظامها الرسمي واياً كانت شخوصه ، وإنما جماهيرها التي ترتفع فوق واقع التقسيم ،وهي التي تقدم نفسها على أرضية موقف واحد صدحت به الجماهير من تخوم المحيط الأطلسي الى شواطئ الخليج العربي مستعيدة نشيد “بلاد العرب اوطاني “، الذي كان النشيد القومي الذي انشدته جماهير المغرب والمشرق ،كما ترفع اليوم ذات الشعارات السياسية التي يلخصها شعار “الشعب يريد اسقاط النظام.”

 

في الذكرى العاشرة لانطلاقة الحراك الشعبي العربي والعدوان الثلاثيني على العراق ، فإن الامل معقود على الشارع العربي عبر استعادة نبضه ،وامساك الجماهير زمام المبادرة وبناصية قرارها في صراعها مع اعدائها، إن بالمقاومة الشعبية ضد الاحتلال سواء صهيونياً كان او فارسياً او تركياً اواية دولة إقليمية أخرى او دولية ،وإن بالعودة للشارع ضد نظم الرجعية والفساد في حراك يجب أن يبقى محكوماً دائماً بتعبيراته الديموقراطية التي غيبت عن مسرح الحياة السياسية العربية ،وبهذا الحراك الشعبي وبه فقط ترسم ملامح المستقبل العربي المفتوح على افآق التغيير رغم مظاهر العتمة والظلام التي تلف بعض جوانب الواقع العربي حالياً.

 

على هذا الأساس ،فإن القيادة القومية للحزب ،وهي تشدد على أهمية تفعيل الحراك الشعبي وديموته للوصول الى مآلاته في التغيير والتصدي لمشاريع العدوان ،ترى أن إلارتقاء بالنضال الجماهيري الى مستوح الطموح القومي ،إنما يضع القوى الحية في الامة العربية امام مسؤولياتها التاريخية ،وهو ان تكون في حالة جهوزية دائمة، لممارسة دورها الطليعي في قيادة الجماهير وتأطيرها وتنظيم صفوفها وتشكيل مرجعية لها بقيام جبهة قومية شعبية تنضوي في اطارها القوى الوطنية والتقدمية والديموقراطية، وبما يجعلها قادرة على قيادة النضال الشعبي العربي في الشارع وعبر الصيغ المؤتمرية بحسب ظروف الساحات ،لاجل ديمومة الحراك وتحويل معطيات كل انتفاضة شعبية في ساحتها ،الى رصيد مضاف الى معطى المشروع العربي الاستراتيجي المحمول على رافعاته الشعبية لجعل موازين االقوى تميل لمصلحة الامة وقواها التحررية وأهدافها في التحرر والتقدم والوحدة.

 

فليكن الرفاق في اية ساحة تواجدوا وكما عهدهم حزبهم طليعيين في قيادة الحراك بالانخراط الميداني بكل فعالياته وبالانفتاح على أوسع مروحة من القوى السياسية والحراكية التي تتماهى مع رؤية الحزب في تقييمه للمرحلة التي تمر بها الامة العربية وتلتقي معه على تحديد وفرز أعداء الامة من اصدقائها بعيداً عن أساليب التورية والتقية.

 

ان الحزب هو حزب الامة ،وهو حامل رسالتها ويقف حيث تقف الجماهير.ولنبق ننظر الى المستقبل بالروح التفا ؤلية التي كانت وستبقى من سمات الحزب الأساسية.ولتبق شعارات الحراك الشعبي على توهجها ، وليعَدْ للخطاب القومي اعتباره في تعبئة الجماهير العربية ضد الاحتلال والاستبداد والرجعية والتجزئة والتخلف ،ولتطلق ( لا ) قوية ضد التطبيع وضد مقايضته بالرغيف عملاً بالمبدأ الأخلاقي ” تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها”.

 

تحية لروح الرفيق القائد المؤسس الأستاذ احمد ميشيل عفلق

تحية لروح شهيد الحج الأكبر الرفيق القائد صدام حسين

تحية لروح الرفيق القائد الأمين العام للحزب عزة إبراهيم

تحية للامة العربية والمجد والخلود لشهدائها والحرية لمعتقليها

والخزي والعار للعملاء والخونة والمتخاذلين.

 

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

في ٢٧ / ١ / ٢٠٢١

مشاركة المحتوى
Author: