إشراقات نيّرة من خطاب الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي عزة إبراهيم حفظه الله ورعاه ( ٤ )

القيــــادة القوميــــــــة – مكتب الثقافة والاعلام القومي

إشراقات نيّرة من خطاب الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي عزة إبراهيم حفظه الله ورعاه( ٤ )

التّمدّد الإيرانيّ الصّفويّ في الأمّة العربيّة وسبل المواجهة

أبو همام

 

تناول الرّفيق الأمين العامّ لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ القائد عزّة إبراهيم في خطابه التّاريخيّ بمناسبة الذّكرى 72 لتأسيس الحزب، حقيقة التّمدّد الإيرانيّ الصّفويّ في الوطن العربيّ. وذلك بالنّظر لما بات يشكلّه هذا التمدد من تهديدات مفزعة للوجود العربي فاقت أغلب التّقديرات حتّى تلك الموغلة في التّشاؤم، حيث أظهر نظام ولاية الفقيه عداءاً لا نظير له للعروبة وأهلها، منخرطاً في أيّ عمل عدوانيّ يتقصّد العرب وأرضهم وثرواتهم وتاريخهم وحضاراتهم، مسابقاً جميع الاعداء على تقتيل العرب وتمزيقهم وتخريب نسيجهم المجتمعيّ وضرب أمنهم في الصميم .

ويأتي هذا التناول استكمالاً لجهوده السابقة في الشرح المعمق والمستفيض لجوهر العداء الفارسيّ للعرب وما يمثّله إصرار الفرس على الانتقام من العرب بأيّ شكل وتحت أية ذريعة، من طابع أساسيّ في سياسات إيران الخارجيّة ، حتى اصبح هذا العدوان كمّاً ونوعاَ ، الأشدّ خطراً مقارنة مع بقيّة المخاطر الأخرى التي تجتاح الأمّة العربيّة.

إن هذا التناول وما تضمنه من حقائق واقعية وتشخيص جرئ، انما يعبر عن كونه نابعاً من الواقع وملتصقاً به أيّما التصاق، راصداً لمجرياته ومتفاعلاً معها اولاً باول.

إلّا أنه في الوقت الذي يحذر فيه الامين العام من هذا الخطر، فإنه يستنهض بكل ثقة واقتدار كل عوامل مقاومته الكامنة في الامة ، مستنداً الى تجارب الواقع و على رأسها انتصار المقاومة العراقية والعربية في العراق على الاحتلال الامريكي الغاشم له ، و فشل المخطط الصفوي في اجتثاث البعث رغم تعرضه الى ابشع الحملات الاجرامية لتحقيق هذا الهدف . مؤكداً على أن سبب ذلك الفشل مبعثه حقيقة انّ البعث هو ” عصارة الأمّة وفلذة كبدها، ولد من رحمها لكي يعبّر عن حقيقتها ويحمل رسالتها القوميّة الإنسانيّة “، كما أنّ “البعث ليس حزبا تقليديّا، بل هو حركة قوميّة عربيّة ثوريّة تاريخيّة رساليّة إنسانية، فحركة البعث هدفها الأسمى والأغلى والأعزّ هو الإنسان في الوطن والإنسان في الأمّة والإنسان في الإنسانيّة “.

لقد كشف الأمين العام للحزب الحقيقة التي يحاول الاعلام العالمي والنظام الدولي والعربي الرسمي التغطية عليها والتغاضي عنها وهي تفاصيل حقيقة احتلال إيران للعراق ،كاشفاً إحكام الفرس سيطرتهم على كلّ مفاصل العمليّة السّياسيّة الفاسدة فيه بعدما سخرّوا وثبّتوا أذرعاً تدين لهم بالولاء الأعمى قوامها الأحزاب والميليشيّات الطاّئفيّة الإرهابيّة ، للحدّ الذي انعدم فيه تأثير أمريكا على السّاحة العراقيّة إلاّ بقدر ما تسمح به إيران، موضحاً أنّ لإيران أوراق حيويّة تخدم برنامجها وتسرّع من وتيرة نجاحه وبالتّالي تمكّنها من فرض شروطها على كبار اللاّعبين الدّوليّين في السّاحة العراقيّة بما فيها الولايات المتّحدة الأمريكيّة نفسها.

كما وحدّد الأمين العام بدقة الوسائل التي يتبعها النظام الايراني ويستند عليها في تنفيذ مخططاته التوسعية، ومن أخطرها هو تشويه استخدام الثّقل الرّوحيّ الديني في أوساط مجتمعيّة واسعة في العراق، والعمل على حرفه من اجل زع الفتنة الطائفية في هذا القطر الذي كان وعبر آلاف السنين مثالاً رائعاً للتلاحم والتعايش والانسجام المجتمعي الديني والعرقي، وكل ذلك من اجل الإمعان في اضعاف العراق عبر تقسيمه وتفتيته .

على ان التفتيت لم يكن هو النتيجة الوحيدة للتوسع الايراني في العراق وانما تعداها الى استغلاله بهدف تحويل هذا القطر العربي الكبير الى ما يشبه الحديقة الخلفيّة لإيران، فتغنم الاخيرة عوائد ثرواته، وتستخدمه دكّة احتياط تناور عبرها الآخرين، وتفلت من أيّ خطر يتهدّدها ، معرضة العراق وشعبه الابي لأكبر تداعياتها، ويتّضح ذلك جليّاً من خلال شَفْطِ موارد العراق وعلى رأسها النفط والطاقة والموارد المائية والزراعية لصالح الاقتصاد الايراني المنهار. وها هي إيران اليوم تفلت ، وتحت مرأى ومسمع الولايات المتحدة الامريكية ، من جميع العقوبات الاقتصاديّة المفروضة عليها بصرف النّظر عن جدّيتها المزعومة وجدّية تطبيقها. وكل ذلك بفضل توظيفها للسّاحة العراقيّة واستخدامها بما يقيها أي هزّة عميقة قد تعصف بمنظومة ولاية الفقيه الحاكمة. فلقد بات نفط العراق تحت تصرّف إيران المطلق، وأمست أموال العراق وموارده على ذمّة إيران لا يتورّع أقطاب العمليّة السّياسيّة الاحتلاليّة عن تحويلها تحت شتى الاغطية للمصارف الإيرانيّة لمواجهة الانهيار الاقتصاديّ الشّامل الذي يضربها ، كل ذلك في الوقت الذي يٌحرم العراقيّون فيه من أبسط الخدمات و ضروريّات العيش الاساسية. ولقد أدّت هذه السّيطرة الإيرانيّة على العراق ومفاصله الى تسابق اللاّعبين العراقيّين الأساسيّين ممّن يتصدرون المشهد العراقيّ اليوم، وبشكل مهين لاستجداء رضى إيران وتزكية نظام الوليّ الفقيه فيها .

وفي معرض توضيحه للبعد الاقليمي والدولي لمخاطر هذا التوسع فقد شدّد الرّفيق القائد عزّة إبراهيم على ضرورة الانتباه إلى أنّ تغوّل إيران في العراق إنّما يتأتّى في الحقيقة من التّحالف الوثيق بين النظام الايراني والصّهيونية العالمية والولايات المتحدة الامريكية. وهو ما يفسّر تبادل الأدوار وتكاملها بين هذا الثّالوث فيما يتعلقّ بالاعتداءات المركّبة على الأمّة العربيّة جمعاء وفي مقدمتها العراق، بغض النظر عن الخطب الرنانة والتّهديدات الإعلاميّة المتبادلة التي تتم بغرض التّمويه والتّشويش وصرف الأنظار عن حقيقة تكامل الرّؤى والادوار.

فنتائج التغول الايراني التوسعي تصب في مصلحة المشروع الصهيوني بالصميم . فالسّياسات التوسعية الإيرانيّة في العراق و في سوريّة وفي كلّ مكان تطأه قدماها من ارض العروبة ، فهدم المدن و حروب الإبادة العرقيّة الوحشيّة التي يشنها نظام الولي الفقيه والميليشيّات الطّائفيّة الإجراميّة ، وقتّل وتشرّيد الملايين وتدمّير الحياة بمختلف أبعادها ومظاهرها حتى بلغ عدد ضحاياها من القتلى في العراق وحده نصف مليون عراقي خطفتهم ميليشيّات إيران وغيّبتهم خلال السّنتين الأخيرتين فقط، ولا زال القتل والخطف والتّدمير متواصلا لغاية اليوم، لا تخدم احداً بقدر خدمتها للكيان الصهيوني.

وتمتد بالقدر ذاته جرائم الفرس وأدواتهم الطّائفيّة في اليمن حيث تم ضرب الدّولة فيها والغاء مؤسّساتها وتقسيمها فتحوّلت لمجرّد حلبة صراع تسود الغلبة فيها للمنطق العشائري ويغلب فيها الولاء والانتماء الطّائفيّ. ناهيك عما أحدثوه في لبنان من اضعاف للدّولة ومؤسّساتها وعرقلة حركة المجتمع و اعاقة تقدمه في كل المجالات .

إن كل ذلك يثبت التكامل العضوي بين المشروع الايراني الصفوي والمشروع الصهيوني الامريكي في المنطقة ، مما يحتم تنبيه الأنظمة العربيّة بعدم التّعويل على الأمريكان والصّهاينة لإنقاذهم من الشّرّ الزّاحف إليهم من الشّرق، ويؤكد على ان رهان البعض على ضربة تتلقّاها إيران إمّا من طرف الكيان الصّهيونيّ منفرداً أو باشتراك ومساهمة أمريكيّة فعليّة، انما هو ضرب من الأمانيّ لا أكثر.

لذا فإن هرع النّظام العربيّ الرّسميّ وتسابقه نحو الارتماء في أحضان الولايات المتحدة الامريكية والعدوّ الصّهيونيّ لإنقاذهم من الخطر الايراني هو كمن يستجير من الرّمضاء بالنّار، كما انه امر باطل من الأساس لأنّه وعلاوة على كونه يشكل تصفية خطيرة للقضيّة الفلسطينيّة، فإنّه يخدم الأجندة الإيرانيّة ويسرّع من وتيرتها.

على أن الأعمق من ذلك هو ان مخاطر التّمدّد الفارسيّ الصّفويّ في الأمّة العربيّة لا تتوقّف عند هذه الحدود رغم كارثيّتها ومأساويّتها، ، بل تجاوزها لما هو أشدّ خطراً وهو اجتثاث العروبة كياناً وتاريخاً ومنجزات وموروثاً ثقافيّا إنسانيّا .

فمن أمضى الوسائل المباشرة التي تنتهجها ايران في هذا المجال والتي تشكل انتهاكاً صارخاً لكل قوانين حقوق الانسان وخرقاً فاضحاً للمواثيق الدولية هو اتباعها سياسة التّغيير الدّيموغرافيّ في العراق وسوريا وأينما تنفّذت في الوطن العربيّ، من خلال قيامها بتهجير السّكّان الأصليّين تهجيراً قسريّاً وحملهم على مغادرة أراضيهم والتّنازل عن ممتلكاتهم بقوّة السّلاح ووفق منطق طائفيّ مقيت، لتضيق بهم مخيّمات النّزوح في ظروف بائسة لا تليق بالإنسان وحقوقه في حدودها الدّنيا، كما تقوم بنفي الآلاف وطردهم من محافظاتهم ومدنهم وقراهم. ولا تكتفي بذلك بل تغرق تلك المدن والقرى والمحافظات بوافدين أجانب من فرس وباكستانيّين وأفغان وغيرهم، ليستوطنوا أرض العروبة ويبدّلوا معالمها ويطمسوا هويّتها العربيّة طمساً يتجاوز ما فعلته العصابات الصّهيونيّة في فلسطين المحتلّة.

إن رهانات النظام الايراني الصّفويّ وطريقة عمله ووسائله هذه لإغراق العرب والعروبة في دوّامة من الأزمات الطاحنة ، لا مخرج منها إلاّ بتحقّق لحظة الوعي والإدراك العربيّ الجماعيّ لحقيقة العدوان الإيرانيّ، وتوفّر الإرادة الحقيقيّة الصّادقة لمقاومته بعد إعداد الظّروف وتهيئة المستلزمات، وفي مقدمتها يأتي تجاوز أسباب هذا النّجاح الإيرانيّ في انتهاك الحرمات العربيّة والتي كان من اهمها :

* أوّلاً: انهيار سدّ البوّابة الشّرقيّة للأمّة العربيّة بتغيير النّظام الوطنيّ والقومّي في العراق. لذا فما لم يتمّ استعادة بناء هذا السّد سواء بقيادة البعث أو بغيره، فإنّه لن يتمكّن العرب من إيقاف الزّحف الفارسيّ الصّفويّ وذلك لما للعراق الوطنيّ والقوميّ من ثقل في المعادلات القوميّة العربيّة كافّة سيّما الأمنيّة والدّفاعيّة منها.

* ثانياً: تخلّي النّظام العربيّ عن مسؤوليّاته المبدئيّة والاستراتيجية والتّاريخيّة تجاه الأمّة وقضاياها المصيريّة.

ويتجسد ذلك جليّاً من خلال استمرار محاصرة النّظام الرّسمي العربيّ لقوى الأمّة الحيّة المجاهدة وفي طليعتها حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ حصارا كلّيّا ، وهو الأمر الذي يعطّل أو يكاد جميع المساعي والأهداف والخطط القوميّة التّحرّريّة. هذا في الوقت الذي تغدق فيه إيران بسخاء على أذرعها الإرهابيّة وميليشيّاتها الطّائفيّة الإجراميّة وتوفّر لها كلّ سبل الدّعم والإسناد المادي والمعنوي واللوجستي والإعلامي.

ولقد انطلق الرفيق الأمين العام في تحليله من قراءة دقيقة للمتغيرات الاقليمية والدولية السريعة التي تحتم على النظام الرسمي العربي تجاوز الأسلوب القديم الذي تعاطوا به مع التهديدات الامنية والأطماع الاجنبية في السابق. فنبه الى ان مواصلة التّراخي وانتهاج الحلول العقيمة والمتمثّلة في الرّكون إلى محور أمريكا والصّهيونيّة كمخلّص من آفة الشرّ المتوغّل من الشّرق، لم تزد الوضع الا سوءاً فزادت سيطرة إيران في المنطقة ، مما يثبت أنّ النّصر لن يتحقّق إلاّ في العراق ولن ينطلق كنس العدوان والتّمدّد الإيرانيّ الصّفويّ في الأمّة العربيّة إلاّ منه.

إن طرح مسألة التّمدّد الإيرانيّ الصّفويّ في الأمّة العربيّة يمثل دعوة متجدّدة لضرورة تحقيق استفاقة عربيّة رسمية وجماهيرية ، باتت أشدّ إلحاحاً من أيّ وقت مضى، وهي لن تتم الا من خلال تسامي العرب عن الصّغائر والخلافات البينيّة التي تعصف كلّها بالبيت العربيّ الذي غدا أوهن من بيت العنكبوت في ظلّ الفٌرقة والتّشاحن والعِداء المجانيّ، ومصدرها جميعا التّآمر الخارجيّ ومن بينه التّآمر الإيرانيّ الذي يؤجّج الخلافات وينفخ في نيرانها لتزداد مهامّه التّصفويّة للعروبة سهولة ويسراً.

إن تأكيد الرّفيق القائد عزّة إبراهيم على خطر التّمدّد الإيرانيّ الصّفويّ من جوانبه كافّة يأتي من باب مسؤوليّاته التّاريخيّة والقوميّة باعتباره الامين العام لحزب الأمّة العربيّة العملاق الرّياديّ الذي يشكّل رأس النّفيضة في مواجهة هذا التوسع الاستعماري الذي لن يسلم من براثنه ايّ قٌطر عربيّ ما لم تنتفض الامة كلها في مواجهته وافشال مخططاته واهدافه الشريرة.

مشاركة المحتوى
Author: