دلالات تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي وانطلاق فكره القومي الاشتراكي (الحلقة الأولى)

دلالات تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي وانطلاق فكره القومي الاشتراكي

(الحلقة الأولى)

 

تعيش أمتنا العربية المجيدة هذه الأيام على وقع ذكرى عزيزة ومفصلية في تاريخها الحديث، هي ذكرى تأسيس حزبها الرائد العملاق حزب البعث العربي الاشتراكي الذي بزغت خيوط شمسه الأولى في السابع من نيسان 1947، حيث شكل هذا الحدث موعداً فارقاً ومميزاً سطرته طلائع نضالية وقامات فكرية باسقة من القادة المؤسسين الأوائل يتقدمهم أيقونة النضال القومي والفكر الإنساني الرفيق أحمد ميشيل عفلق ، كنتاج لمعايشتها العميقة لواقع الأمة والتصاقها بتاريخها وإلمامها الواسع وإدراكها الدقيق للأخطار التي تترصدها والتي كان الاستعمار يمثل ذروتها ، كما كان غرس كيان غريب هجين في قلب الوطن العربي سنامها. لتؤسس وترشد الجماهير العربية للطرق والأساليب والمناهج العلمية والعملية سياسياً وفكرياً ونضالياً المتوجب انتهاجها لاسترداد الحقوق العربية المغتصبة ولاسترجاع الأراضي المحتلة المنتهكة ولبسط السيادة كاملة غير منقوصة على ثروات العرب ومواردهم المتنوعة ، ولتنحت معالم الخلاص وتجاوز المحن التي تعيق توحدها وتطورها.

ولقد تميز مشروع البعث الحضاري هذا بالواقعية من دون أن يغرق الجماهير في سيل من الأحلام والوعود خدمة لغايات سياسية ضيقة، بل أكد للجماهير ومنذ اليوم الاول لانطلاقه على وعورة الطريق، وشدد على مشقة المهام التي لا مناص من تحملها في سبيل تفويت الفرص على الأعداء العازمين على إطفاء شعلة العروبة ، والحيلولة دون لعب العرب لدورهم الحضاري بين الامم وبما يتوافق مع مخزونهم الفكري والثقافي ورصيدهم الأخلاقي والروحي ، و يمكنهم من الإسهام بفعالية وحيوية في الفعل الإنساني في الزمن المعاصر . ويمكنهم بالتالي من مواجهة التحديات المتمثلة بتنامي الأطماع الاستعمارية في الوطن العربي وتجدد صيغها البشعة .

هي ذكرى مفصلية ولا ريب، ذلك أن تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي جاء موذناً بانبلاج فجر عربي جديد، يعرب فيه هذا المولود الكبير عن انتقال العرب من الاستسلام والتعامل السطحي والعاطفي مع واقعهم ، إلى عقلنة الأفعال وردود الأفعال، ويؤسس من خلال تشخيصه الدقيق لمعاناة العرب ومكامن الخلل والوهن لديهم ، وأسباب التراجع والانتكاسة الحضارية الشاملة، مضافاً اليها استشرافه الهادئ الرصين للحلول الجذرية التي من شأنها النهوض بهذا الواقع و قلب المعادلات وإجهاض المؤامرات وإفشال المخططات الخارجية العدوانية . فحدد الطريق الى النهوض و صد الأطماع ودرء الانتهاكات الجسيمة للحرمات العربية التي استبيحت جميعها لأسباب مركبة وشديدة التعقيد وضحها الحزب بإسهاب وبتشخيص دقيق فرز فيه الذاتي عن الموضوعي كما حدد سبل تجاوزها حسب اولوية الاهداف .

فما هي دلالات ذلك التأسيس وانطلاق فكرالبعث في عام 1947م ؟

لقد جاء حزب البعث العربي الاشتراكي استجابة لتطلعات الجماهير وانتظارها لإطار قادر على الاستجابة لمتطلبات الحقبة التي تمر بها والأوضاع والحاجات العربية الأساسية المعاصرة ، كما جاء ردا طبيعيا ومنطقيا على كل الدسائس التي حيكت في الاقبية العالمية المعادية ومراكز القرار الاستراتيجية، فكان البعث بشعاراته المعروفة ومبادئه المطروحة في تناقض جوهري مع مخططات التقسيم والتجزئة والاستعمار فجاء حزباً مقاوماً بفكره وتنظيمه وبسواعد رجاله، كما كان متصادماً مع الإستغلال والإضطهاد المسلط على أبناء الأمة العربية مهما كانت جذوره وأطرافه ، فباشر بنضاله الدؤوب ومناداته الثابتة بضرورة إقامة المجتمع العربي الاشتراكي حيث تسود العدالة الاجتماعية ويتفيأ العرب خيراتهم ومواردهم ويمارسون عليها سيادتهم كاملة غير منقوصة .

بفكره المعاصر كسر البعث الجمود الحضاري وشكل القاعدة الراسخة لنهضة الأمة

لقد كان العرب في السابع من نيسان 1947 على موعد تاريخي مع لبنة حقيقية متينة وصلبة تشكل قاعدة مهيأة لرقي الأمة العربية وتحقيق نهضتها وضمان عزتها ومسك ناصيتها بيدها بعيدا عن مختلف أشكال الوصاية أو الاستعمار أو الاملاءات الاجنبية ، وبما يخدم المصلحة العربية العليا ويضمن توحيد الأمة بعد تعرضها لمؤامرة التقسيم من قبل الارادات المعادية ومصالح الدول الاستعمارية الكبرى التي استهترت بحقوق العرب المشروعة في توحدهم وبناء دولتهم وبما ينسجم مع هويتهم وخصائصهم الحضارية المميزة.

وعليه، فلقد استوفى البعث في مستهل بزوغه الاول مختلف الأساسيات والممهدات الضرورية الضامنة لكسر الجمود الحضاري والوهن والتخلف الذي عانت منه الأمة ولمعالجة مخلفات الحقبات الاستعمارية المتتالية وما كرسته من انقسامات وشق الصف العربي وتزييف الحقائق عبر بث موجات هائلة من التشكيك في التاريخ العربي ، وإنكار مقدرة الإنسان العربي على الفعل. كل ذلك بهدف إحباط الجماهير العربية ومنعها من العمل لاحداث التغيير اللازم والمضي نحو مسيرة البناء والتعمير ومواكبة العصر.

بنشأته من رحم معاناة الأمة عبّر بدقة عن حاجاتها

انبثق حزب البعث ونشأ من رحم معاناة الأمة ونبع من تربتها، فجاء مستملكا أيما استملاك لتاريخها وتراثها ومخزونها الفكري والحضاري والثقافي ورصيدها الأخلاقي والقيمي، ومدركا لمتطلبات التوفيق بين الأخذ منه والبناء عليه، وربطه ربطاً تفاعلياً خلاقاً مع متطلبات تحقيق نهضة الأمة الحديثة في ظل وضعها المأزوم العصيب .

البعث مصالحة حقيقية للأمة بين تحدياتها ومكامن قوّتها

ولذلك فلقد تميز البعث بمصالحة حقيقية ومقننة متجاوزاً المآرب الحزبية السطحية او المناورات السياسية الآنية ، مع ماضي الأمة بعيدا عن التقديس أو الجمود، ودون أن يقع فيما وقعت فيه العديد من الحركات والأحزاب السياسية في الوطن العربي من محاولات التنصل والهروب من متطلبات الفعل السياسي والنضالي على الميدان العربي بخصوصياته وميزاته.

وعليه، كان البعث معبراً عن أصالة الأمة ومدافعاً عنها، منفتحاً بإيجابية جليّة على هويتها وخصائصها، منحازاً للانتماء العربي انحيازاً صلباً متيناً وبروح إنسانية توّاقة للإبداع والتغيير. كان اهم ما يميزه انه غير متصادم مع ثوابت العرب سيما في البعد الديني والقيمي ، متجاوزاً بذلك مع تعرضت له تلك الثوابت من استغلال او تشويه مزدوج . فقد حرصت قسم من الأحزاب المتأسلمة على احتكار تلك الثوابت وتوظيفها بالنقيض من مصالح العرب العليا لتأبيد الاستغلال والجور والاجتماعي ولتدعيم مكاسب الفئات المتنفذة والمرتبطة بدوائر السلطة أو بالخارج. فيما ذهب قسم آخر من الأحزاب العربية إلى التشكيك في الثوابت العربية القيمية واعتبارها حاجزاً أمام تطور العرب فهاجموها ودعوا لاقتلاعها من جذورها في نسخ مرتبك ومتشنج للموروث الغربي لا سيما الأوروبي منه .

ولقد استجلبت قراءة البعث وسبره لأغوار طاقات الأمة ومكامنها ، عداء الكثير من الحركات السياسية العربية ، فكفره الإسلاميون ، واتهمه اليساريون بالرجعية دونما تبصّر ولا مقدرة على فهم الفلسفة البعثية القائمة على أن أمة العرب لها من الطاقات والقدرة ما يمكنها من تسطير مسيرتها الخاصة بها ، المتلائمة مع هويتها وتاريخها وفعلها ، والذي لا ينكره الا جاهل أو عدو، وعلى أنها أمة عظيمة منعتها الاعتداءات الخارجية المتكررة من استكمال بناء كيانها القومي الجامع لشعبها و لأرضها و لمواردها وثرواتها الهائلة .

 

تحرير الارض والانسان معاً

تميز حزب البعث العربي الاشتراكي عن الأحزاب العربية كافة بوضوح رؤاه وصدق برامجه، وتفرده بالربط بين النضال ضد الاستعمار الاجنبي وبين وحدة الجماهير ونضالها لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة فاكسب بذلك زخم الملايين من العمال والفلاحين العرب الى قضية الوحدة العربية التي كانت قبله حكرا على النخب العربية . فلقد كان منهاجه النضالي الاستراتيجي العام قائم رأساً وبلا مواربة ودونما مخاتلة على مقاومة الاستعمار والتصدي لمخططاته التوسعية والاستيطانية ، في الوقت الذي ربط كل ذلك بمشروعه الوحدوي التحرري الهادف لتحرير الأراضي العربية المغتصبة سيما في فلسطين التي اعتبر تحريرها من الكيان الصهيوني الغاصب هي قضية العرب المركزية. ولأنه اوكل قضية الوحدة والتحرر الى دور الجماهير الكادحة التي كانت تعاني من التهميش والجهل والمرض ، لذا كان لابد من النضال للارتقاء بالانسان العربي لكي يتمكن بالنهوض بدوره . وعليه لم يتوقف المشروع النهضوي في حزب البعث على تحرير الأرض بل تعداها لما هو أبعد من ذلك ليعتني اعتناءاً خاصاً بتحرير الإنسان العربي من الاستبداد والإقصاء والتهميش والوصاية . وتحريره ومن كل مظاهر الدَجل والخرافة والشعوذة والطائفية والشوفينية العنصرية وعوامل الشد إلى الوراء، عاملا نحو تحقيق ذلك من خلال بناء الإنسان العربي الحر الواعي والمسؤول المعتزّ بانتمائه العربي والمحصن ضد مخططات التغريب والاستلاب بكل انواعها .

 

طابع البعث الثوري والطلائعي الشامل

اختار البعث لنفسه طابعاً ثورياً طلائعياً شاملاً، حيث رفض التعاطي مع الواقع العربي من خارج منطوق الثورة ، كما لم ينخرط في المشاريع الإصلاحية التي كانت في جوهرها تخدم أعداء الامة ، وإن تدثرت في ظاهرها بلبوس وطني مخادع . فتجلّت تلك الانقلابية في فكره وتنظيمه وتجسّدت في أبسط التفاصيل اليومية لسلوك مناضليه . وانعكست بوجه خاص في مواقفه وبياناته وسياساته المعروفة. فانخرط البعثيون مبكراً في كل المعارك العربية المصيرية خاصة ضد العصابات الصهيونية وكيانها العنصري في فلسطين ، كما رفض الحزب الانخراط في سياسة المحاور والأحلاف وعرّاها كاشفاّ مخاطرها ومهاجماً وفاضحاً متبعيها. ويضيق المجال باستعراض البعد الثوري الاصيل نظرية وفعلاً وممارسة . ولقد كانت مساعيه الوحدوية التي بذل في سبيلها ما بذل خاصة إبان إقامة دولة الوحدة بين مصر وسورية في أواخر خمسينات القرن الماضي من اهم المحطات ، ثم تتوج فعله لاحقاً بنضال الحزب اثناء تجربة حكمه في العراق فكانت ثوريته عنوانها الأبرز على الإطلاق.

ومن نافلة القول إن هذه الثوابت البعثية القائمة على محاربة الاستعمار وتحرير الأرض والإنسان العربي خلفت نقمة أعداء العرب وخدمهم في الداخل على حزب البعث العربي الاشتراكي، فانطلقت حملات تبشيعه وتشويهه وتكفيره مبكرا جدا مع بدايات التأسيس، لتحاك ضده المؤامرة تلو المؤامرة، وليتعرض لشتى أنواع المضايقات والمحاصرة عبر التنكيل بمناضليه ومفكريه والطعن بمشروعه الثوري الانقلابي الرسالي في محاولات بائسة لعزله عن قاعدته الجماهيرية وتنفيرها منه .

( يتبــــــــــــــــــــــع )

 

مكتب الثقافة والإعلام القومي

٧ / نيســان / ٢٠١٩

مشاركة المحتوى
Author: