إشراقات نيّرة من خطاب الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، عزة إبراهيم حفظه الله ورعاه (١)

إشراقات نيّرة من خطاب الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، عزة إبراهيم حفظه الله ورعاه (١)

 

القيــــادة القوميــــــــة – مكتب الثقافة والاعلام القومي

بسم الله الرحمن الرحيم

(إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى )

صدق الله العظيم

نبيل عبد الله

 

في واحدة من أبرع صور التواصل الحي بين نضال البعثيين في عصرهم الراهن، مع انطلاقتهم التأسيسية الأولى ، وجهاد المؤمنين الثابتين على إيمانهم عبر التاريخ، بدأ الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، عزة إبراهيم حفظه الله ورعاه ، خطابه في الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الحزب بالآية الكريمة “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”، وكأنه يقول لنا إن البعثيين في جهادهم المجيد ضد الاحتلال والتعسف يمثلون صورة جلية ممتدة على خارطة أوسع لأولئك الفتية المؤمنين الصابرين الذين ثبتوا على الحق الذي آمنوا به، فزادهم الله هدى وبصيرة وثباتاً وإيمانا.. وهذه هي حقيقة حال البعثيين اليوم. فراية البعث يحملها اليوم لترفرف عالياً ، الجيل الصاعد من الفتية والشباب في تمازج رائع مع رفاقهم المناضلين ذوي الخبرة النضالية الطويلة ، فتيان الإرادة والعزيمة المتجددة . فحقق البعث بذلك التواصل، التجدد ومواكبة العصر والانطلاق نحو المستقبل في حمل رسالة أمته المجيدة .

طيلة 72 عاماً من جهاده المجيد، قدَّم حزب البعث العربي الاشتراكي، وما يزال يقدِّم، أروع الأمثلة في الثبات والصمود والتضحية والعطاء، على الصعد السياسية والفكرية والنضالية.

وإذا كان تأسيس “البعث” قد جاء تعبيراً أميناً عن حاجة الأمة العربية إلى تنظيم طليعي يحقق ما كان يعتمل في صدور أبنائها من تطلعات نبيلة نحو غد عربي مشرق يحقق للأمة سبل النهضة والوحدة والتحرر والعدالة الاجتماعية، فإن المؤسسين الأفذاذ حملوا في قلوبهم هموم الأمة وآلامها ومعاناتها، وترسّموا آمالها ومعاني انبعاثها، وجسدوا إرادة الأمة وعزمها على الثورة على واقعها المتخلف المتردي الفاسد المريض، فكانوا بحق “جيل البطولة” الذي بشّر به القائد المؤسس المرحوم أحمد ميشيل عفلق.

وفي خطاب ذكرى التأسيس أعاد الرفيق الأمين العام للحزب التأكيد على حقائق أساسية تتعلق بمنطلقات “البعث” النظرية وفلسفته القومية ورؤاه الانسانية ومراميه الحضارية، حيث أكد على مبدأ الديمقراطية الحزبية، التي كانت واحدة من أهم مقومات عقيدة البعث فكراً وممارسة، وشرح معاني مبادئ الديمقراطية المركزية التي تتجسد في ممارسة أعضائه لحقوقهم بكل حرية وايجابية، وبوعي عالي واحترام للعلاقات الحزبية، وأوضح أن تشكيل قيادات الحزب إنما يكون بالانتخاب المباشر من خلال مؤتمراته التنظيمية.

وشدد على أن الديمقراطية البعثية هي ديمقراطية مركزية، لا ديمقراطية الفوضى التي يتحدث عنها الليبراليون، فالديمقراطية المركزية عند “البعث” هي تلك التي تلتزم فيها الأقلية برأي الاغلبية وتلتزم فيها القيادات الدنيا بقرار القيادات العليا، بعد أن تسمع الأخيرة لرأي قواعد الحزب وجماهيره.

و ديمقراطية “البعث” تقوم على أسس ومقومات راسخة منها القيادة الجماعية، والنقد الايجابي الهادف البناء والنقد الذاتي الصادق المخلص، وعلى التواصل الحي بين القيادات العليا والدنيا، وجماهير الحزب، في حركة متصلة، تجعل من قواعد الحزب شريكاً أساسياً في صنع قراراته وتوجيهاته ومواقفه وصياغة برامجه النضالية وخططه الاستراتيجية.

وتعبيراً عن إيمانه بالديمقراطية والتزامه الراسخ بها ، فقد وضع “البعث” لأعضائه حقوقاً متساوية ورتَّب عليهم واجبات تقع على كلٍ منهم بحسب موقعه الحزبي ومستوى مسؤوليته وفق ضوابط وصلاحيات متدرجة لقياداته ومؤسساته ومناضليه.

ولأن “البعث” ليس حزباً سياسياً، بل حزباً رسالياً ذو عقيدة شاملة، فقد وضع الحزب لأعضائه مجموعة من القيم والمبادئ والمُثل التربوية والأخلاقية لإعادة بناء مناضليه، بما يرفعهم الى مستوى تأدية مهامهم التاريخية الرسالية الانسانية، كما أكد الرفيق الأمين العام.

وقد تميز “البعث” بحقيقة أنه لم يكن فكراً أو تنظيماً نخبوياً أو حالماً، كما هو شأن كثير من الأحزاب والتنظيمات والتوجهات الفكرية التي كانت سائدة في الساحة السياسية العربية، حيث كان تنظيماً جماهيرياً واقعياً، ربط النظرية الفكرية بواقع الأمة، فاستخلص فلسفته السياسية والفكرية وممارساته النضالية من صميم واقع العرب، عبر التاريخ، وأجاب بشكل صريح وواضح عن كل التحديات التي تواجه الانسان العربي، ومجتمعه وأمته كلها، وربط، على نحو بارع، بين وحدة الأمة العربية وقضية التحرر من الاحتلال ومن النفوذ الأجنبي مع قضيتي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فأكسب بذلك قضية الوحدة، التي كانت هدفاً نخبوياً يجري الحديث عنه في المنتديات السياسية والفكرية، أكسبها دماءً جديدة، من خلال ربطها بنضال الجماهير اليومي، لتحقيق العدالة الاجتماعية، من جهة، وبنضال الأمة كلها لتحريرها من قيود الاحتلال والتبعية والنفوذ الأجنبي من جهة ثانية.

كما تميَّز “البعث” بأنه الفكر والتنظيم الوحيد الذي قدَّم نظرية متكاملة واعية عن العلاقة بين العروبة والاسلام، وربط بينهما على نحو عضوي شامل، حيث نظر إلى الإسلام، باعتباره الرسالة السماوية الخالدة التي حققت أعظم نقلة حضارية وإنسانية وقيمية في تاريخ العرب، ونظر إلى الأمة باعتبارها حقيقة راسخة خالدة، فكانت رؤيته للعلاقة بين العروبة والاسلام، ونظرته إلى الدين والايمان، نظرة شمولية واعية مستمدة من طبيعة المجتمع العربي المؤمن، الرافض للإلحاد من جهة ، والبعيد عن العنصرية من جهة ثانية، والمتمسك بقيمه الرسالية الخالدة ذات الأبعاد الانسانية الشاملة. وهذه من المرتكزات الفكرية الأساسية التي أعاد الرفيق الأمين العام التأكيد عليها في خطاب الذكرى الثانية والسبعين.

لقد كانت إضاءات القائد المؤسس، الأستاذ المرحوم أحمد ميشيل عفلق، سبّاقة وبالغة العمق في فهم هذه العلاقة العضوية، التي تستلهم الاسلام وتجعله باعثاً على نهضة الأمة العربية ، وفي اعتباره أثمن ما يجب ان يحافظ عليه العربي، أياً كان دينه، فهو زاده الثقافي والمعرفي ورصيده القيمي في مواجهة مخططات الإلحاد، والعنصرية ، ومسخ الهوية العربية .

وفي هذا السياق تأتي ملاحظات الرفيق الأمين العام على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تعيد تذكير العربي بشكل عام، والمناضل البعثي بشكل خاص، بقيم العروبة ومعانيها، في ظل النشوء والتنامي الممنهج والمقصود للأفكار التفتيتية التي تجعل من القطر والمدينة والمنطقة والقرية والعشيرة والطائفة والعرق ، انتماء، على حساب مبادئ العروبة الجامعة والأمة الواحدة.

فقد أكد الرفيق الأمين العام على أن حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي عربي يعتبر القومية العربية حقٌ مقدس للعرب، الذين بعروبتهم وقوميتهم يتعارفون، وبعروبتهم وبقوميتهم يتحابون ويتواصلون، وتحت رايتها يناضلون ويقاتلون لتحقيق أهدافهم الانسانية.

وشدد على الجانب الحضاري للعروبة وللأمة، حيث جدد التأكيد على أهمية اللغة العربية في بناء الفرد العربي وفي بناء المجتمع برمته ، وأعاد التأكيد على أهميتها ضمن مبادئ “البعث”.

ولأن الوحدة، تأتي في طليعة أهداف الحزب، وفي إطار مواجهة الأفكار الداعية إلى شرذمة الأمة وتفتيت وحدتها الجغرافية والتاريخية والحضارية، فقد أكد الرفيق الأمين العام على أن الوطن العربي لدى البعث يمثل وحدة سياسية واقتصادية وجغرافية وتاريخية وحضارية لا تتجزأ، وهو وطن العرب، ولهم وحدهم حق التصرف بشؤونه وثرواته وتنميته وتطويره وحفظ سيادته واستقلاله وحريته.

كما شدد على أن البعث يؤمن بقدرة الامة العربية على الابداع والنهوض والتجدد والانبعاث، لما خصَّها الله سبحانه وتعالى به من مزايا وصفات وسمات خاصة ظهرت عبر تاريخها الطويل، ومن هنا كان اختيار الباري عزَّ وجلَّ لها لتكون بذلك خير أمة أخرجت للناس لكي تحمل رسالات السماء الى الارض وتقود مسيرة الاصلاح والتغيير والتجديد بين البشر مبتدئة بنفسها .

ولأن “البعث” حزب عربي انساني، فقد ناهض العنصرية وآمن بالتواصل الانساني الحضاري عبر التاريخ، وأكد على أن الانسانية بأممها وشعوبها هي مجموع متكامل متضامن في أهدافه وتطلعاته وفي أدائه وعطائه، مشترك، بل متوحد، في أغلب مفردات قيمه ومبادئه وثقافاته، ومن هنا شدد الرفيق الأمين العام على أن العرب جزء لا يتجزأ من الانسانية يتغذون وينهلون من عطائها، ويغذّونها ويفيضون عليها من عطائهم وابداعهم، وعد ذلك من أجلى معاني التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب، التي خلقها الله تعالى لتتعارف وتتواصل وتبني، لا لتتخاصم وتتقاطع وتدمر.

إن المضامين التي تناولها خطاب الرفيق الامين العام عزة ابراهيم حفظه الله ورعاه ، تجسّد خير تجسيد حقيقة ان حزب البعث العربي الاشتراكي وهو يجتاز عتبة العقد الثامن من مسيرته المباركة، يؤكد من جديد على أهمية مراجعة الذات وتقييم التجارب التي عاشها على مرِّ الحقب الماضية، ويمارس ذلك بأعلى درجات الصدق والشفافية مع نفسه ومع أمته في عموم الوطن العربي الكبير . فقد كانت تجربة النقد الذاتي عنصراً أساسياً لتجدد الحزب واستمراره فكراً وتنظيماً ونضالاً، وهو إذ يدعو اليوم إلى ممارستها، على كافة المستويات وفي جميع المجالات، إنما يؤكد على حيوية هذا الحزب العظيم في تعامله مع الواقع ، ورغبته في التجديد والتطوير ، ودعم الايجابيات والبناء عليها ، ومحاربة السلبيات وفرز القائمين بها انطلاقاً نحو مستقبل أكثر ثباتاً ورصانة وحيوية وتجدداً.

إن التحديات الجديدة الخطيرة التي تتعرض لها الأمة العربية في هذه المرحلة، احتلالاً وتآمراً وتقسيماً وبثّاً للفتن الطائفية والعرقية، تعيد التأكيد على أهمية فكر “البعث” الذي يجمع الأمة ويعبّئ صفوفها ويوحّد أبناءها في مواجهة كل جيوش الغزاة والمتآمرين والطائفيين.

إذ لا مناص من الفكر الوحدوي الشامل لمواجهة الشرذمة والتقسيم، ولا مناص من الحرية في مواجهة الاحتلال والتبعية للأجنبي والارتهان لمخططاته الإجرامية، ولابد من سيادة فكرة العدالة الاجتماعية، على مستوى القطر وعلى مستوى الأمة، لمواجهة آليات العولمة وهيمنتها الفظّة من خلال الشركات العابرة للجنسيات والحدود، والمستبيحة للخصوصيات الدينية والثقافية والقيمية للمجتمعات .

إن الأمة اليوم، وهي تواجه المشاريع الصهيونية والفارسية والأميركية، بحاجة جدّيّة إلى الفكر الوحدوي التحرري النهضوي الذي يحقق لها العدالة الاجتماعية ويدافع عن وجودها وهويتها وتاريخها، ويرسم ملامح مستقبلها.

وليس كمثل “البعث” بمبادئه الحضارية والقومية والانسانية وبما يمثله من وعي أصيل لتراث الأمة وروحها ورسالتها الخالدة، وبإرثه الجهادي ضد الغزاة والمحتلين، وخبراته النضالية ضد المستبدين والطغاة، من يعيد للأمة قدرتها على المواجهة والانتصار، ومن هنا يؤكد الرفيق الأمين العام على أن “البعث” ليس حزباً تقليدياً، بل هو رسالة امّة كريمة عظيمة حملت رسالة السماء إلى البشرية، بل هو الامة التي أطفأت نار المجوس وحطمت غرورهم وعدوانهم في القادسية الاولى، وهو الأمة التي جرعت الفرس كؤوس السم في قادسية صدام، قادسية العرب الثانية.

وما أجمل ذلك الوصف الذي عبر عنه الرفيق الأمين العام بقوله “هذا هو حزب البعث العربي الاشتراكي الذي استعصى على قوى الشر في الارض مجتمعة أن تنال منه، وأستعصى على كل قوى الشر أن تجتثه أو توهن عظمه وإنما قد زادته ملاحم الصراع قوة وصلابةً وعزماً وزادته نقاءً وصفاءً وبهاءً وزادته ايماناً ويقيناً بنصر الله لشعب العراق المجيد وزادته ثباتاً وتحدياً واقداماً”.

هذا هو البعث بعد أكثر من 72 عاماً على انطلاقته الأولى، وهذا هو جهاد البعثيين، أولئك الفتية الأبرار لأمتهم الذين آمنوا فزادهم الله هدى وبصيرة وثباتاً، ووعدهم بالنصر والظفر والسيادة والتمكين.

مشاركة المحتوى
Author: