صاحب القرار في فلسطين  أم تحمل نعش ابنها الشهيد

صاحب القرار في فلسطين  أم تحمل نعش ابنها الشهيد

حسن خليل غريب

غفوت ليلة أمس على صورة أم فلسطينية تحمل نعش ابنها الشهيد الذي سقط في مواجهة مع قوات الاحتلال الصهيوني. وإذا كانت مواجهة الفلسطينيين مستمرة للاحتلال ولم تهدأ إلاَّ لتتفجَّر من جديد، فقد كانت مواجهات ثورة القدس، قبل أيام، من أكثر المواجهات حدة وشراسة وبطولة ومعاني ودلالات. ومن أهم دلالاتها أنها جاءت لتشكل صفعة قوية لطمت وجوه الأنظمة العربية الرسمية بحدة وشدة وصرامة. أولئك الحكام الذين ناموا على حرير وسادة (التطبيع الرسمي) الموهومة، وكأن السلام المفتَعَل سيطمئنهم على حماية حكمهم وامن اوطانهم وثرواتها. ناموا وهم غافلون عن أن القرار بشأن الأرض ليس بأيديهم بل بيد الشعب.

لكل ذلك، لم تغب عن بالي صورة الأم الفلسطينية التي حملت نعش ابنها، لأنها هي صورة من يتخذ القرار في المواجهات الحادة، مواجهات العزة والكرامة، مواجهة الاستيطان ومحاولات تهويد القدس الشريف ، مواجهة الدبابات والطائرات باللحم الحي، وبالشعور بالكرامة، فلا كرامة لإنسان من دون أرضه.

ولأن تلك الصورة، أهم وأبلغ من كلام جامعة الدول العربية وما تمثل من أشكال وصيغ رسمية، قرَّرت أن لا أكتب بالسياسة، بل أن أكتب عمن هو

 

صاحب القرار الفعلي بـ(التطبيع) وغيره كالمساومات السياسية التي تجري باسم القضية او مستغلة لها ولدماء الابرياء ، قبولاً أو رفضاً. فتبلغت قرار الرفض من تلك الأم، وهو ما سوف أعتنقه وأدافع عنه، وأدعو كل المخلصين لعروبتهم أن ينفذوا قرار الأم التي حملت نعش ابنها الشهيد.

 

ان صورتها لا تدفع إلى البكاء والرثاء

بل تدفع إلى الفخر والاعتزاز

حملته قبل استشهاده وهناً على وهن. وولدته وهناً على وهن. وربَّته (كل شبر بنذر). واكتحلت عيناها به حتى صار بعمر الشهادة. ونذرته شهيداً يدافع عن القدس وكل فلسطين منذ الولادة. ودفع النذر مختاراً ودخل النعش بقدميه. وكانت أمه تنتظره حتى تحمل نعشه ، وكانت قد ولدت ابناً آخر، وآخر. وبين الحملين كانت أرض فلسطين ثالثهما.

فلسطين أمها وأمه. ولقد أمر الله تعالى ببر الوالدين. وأمر الله بأن لا نقل لهما أف، وأن لا ننهرهما. وأن نقدم لهما شهادة كريمة.

في مشهد الأم الفلسطينية التي تحمل نعش ابنها تكريم للحامل والمحمول. فأرضهما الحامل، وهما المحمولان.

بوركت الأرض التي تحمل أماً تحمل ابنها الشهيد. فلولاها لتاها في صحارى العالم الشاسعة، في السراب بحثاً عن حياة كريمة  لا وجود لها خارج اوطانهم.

ففي أرضهم ولدوا، وعلى أرضهم يموتون، وفي باطنها يخلدون إلى السكينة. سيبقى هو، وستبقى هي، متمسكين بأرض ولدوا عليها أحياء، ودفنوا فيها أبطالاً شهداء. وهكذا يكون التحام الإنسان بالأرض. وسوف تحضنهم إلى أبد الآبدين. كانوا جزءاً منها، وهكذا أقسموا أن يبقوا ذلك الجزء المتمم للحياة الكريمة.

يا أم الشهيد، تحية لك في زمن افتقدنا فيه انظمة رسمية تمتلك الحس بالكرامة.

لم تكتف بذلك بل راحت تبيع أرض فلسطين، نيابة عن الشعب الفلسطيني. واخرى اقليمية تساوم بقضيته وبدماء ابنائه لاهداف سياسية تخصها ولملفات امنية تتاجر بها. والأدهى من ذلك، باعوها وساوموا بها وهم يعرفون أنهم لن ينالوا من جناها حبة قمح أو حبة زيتون. فهم باعوها إلى لصوص الصهيونية. لقد باعوا أرضاً لا يملكونها، للصوص لا يستحقون ملكيتها.

هكذا يا أم الشهيد تكون الأمهات الحاملات لنعوش أبنائهن الشهداء. أمهات تُؤمِنَّ بأن الحياة ستبقى كريمة طالما نمتلك التراب، ونحافظ على التراب، ونعفِّر وجوهنا بالتراب، ونُدفن بالتراب.

وهكذا يكون الشهداء المحمولين..

هكذا يريدون الأرض أن تكون..

أرض لا أوصياء عليها ممن لا يعرفون أن كرامتهم متعلقة بها. وأرض لا تخضع لسلطة لصوص أتوا من مشارق الأرض ومغاربها ليسطوا عليها.

ولأنهم جميعاً، أعداء للانسان ولابسط حقوقه، ويزعمون أنهم لا مردَّ لمشيئتهم، فقد كانت صورة أم الشهيد التي تحمل نعشه، هي القرار الأقوى من كل قرارات دول اللصوصية والعدوان ودول المساومات الاقليمية والمتاجرة باسم القضية. ولذلك عاد قرار الدفاع عن القدس و الأرض الفلسطينية إلى من هم أصحاب القرار، إلى قرار أمهات الشهداء، وإلى قرار الشهداء على أرض فلسطين.

سيري يا أم الشهيد في فلسطين ومثلك في ارض الرافدين، متصدرة ساحات الرفض في كل مكان منتفض من ارض العروبة في فلسطين والعراق ، وسيسير وراءك كل الأحرار العرب. فالمعركة قومية بامتياز فالعدو واحد وان تعددت وجوهه وساحات مواجهته في الوطن العربي، وسيصفق لك كل أحرار العالم.

وأخيراً يا أم الشهيد، لي أمنية أختم بها مقالي، وهي:

أن تأمري كل التنظيمات ممن يتعاطون الِشأن الفلسطيني أن يعلنوا وثيقة (توحيد شهداء فلسطين)، والشهداء وأمهاتهم مستعدون لمهر الوثيقة بالدم والروح والدموع.

 

مشاركة المحتوى
Author: