من سجل الحرب العنصرية لتهويد المسجد الأقصى

من سجل الحرب العنصرية لتهويد المسجد الأقصى

يحي محمد سيف -اليمن

الحلقة (1)

▪ إن الاعتداءات والمجازر الصهيونية المتكررة على المسجد الأقصى والمصلين في حرمه الشريف، التي استهلها الصهاينة سنة1926 وصولاً إلى الاعتداء الأخير الذي حدث في أواخر شهر رمضان المبارك، الموافق مايو سنة 2021 م، وما تمخض عنه من مجازر وحشية وخراب ودمار بحق المدافعين عن الأقصى وديارهم ومدنهم، لا شك بأنها تنم عن حقد عنصري دفين وغطرسة صهيونية، وغرور بالقوة، ومفاهيم سوداوية ذات أفق ضيق، تتنافى مع كل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، ومع أبسط مفاهيم حقوق الإنسان وحرية العبادة، كما وترقى إلى مستوى جرائم الحرب التي يهدف اليهود المتطرفون والصهاينة من خلالها إلى احتلال وتهويد المسجد الأقصى، وتغيير مشيئة الله تعالى بأن يكون المسجد الاقصى مسجداً إسلامياً، وهدمه هو ومسجد قبة الصخرة، وبناء هيكلهم المزعوم مكانه، كهدف أول من أهداف حربهم العنصرية (التهويدية) التي يخططون لها منذ ما يقرب من مئة سنة، والتي لا تستهدف تهويد المسجد الأقصى فحسب بل تستهدف تهويد الرموز الدينة العربية الفلسطينية، الإسلامية منها والمسيحية، وطمس المعالم التاريخية والحضارية العربية، وصولاً إلى تهويد فلسطين ومحو الهوية الثقافية العربية الفلسطينية بكاملها.

وهي الحقيقة التي أفصح عنها علناً كبار رجال الدين اليهود، وكبار القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة بكل صراحة.

كما لم تقتصر أساليب وطرق تنفيذ هذه الأهداف والمخططات الشريرة، على الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة فحسب بل يجري تنفيذها بالتعاون والتنسيق مع كافة الأجهزة الرسمية المدنية والعسكرية لحكومة الاحتلال الصهيونية.

لقد تم العمل من خلال هذه الدراسة على تسليط الضوء على أبرز خطط هذه الحرب (التهويدية) للمسجد الأقصى بصفة خاصة، وأساليب وأدوات تنفيذها، وعملية التصدي لها، والمقاومة العربية والفلسطينية لها خلال 92 سنة، وما نتج عن هذه الممارسات الصهيونية من مجازر وحشية يندى لها جبين البشرية، وأعمال تخريبية تشكل تهديداً على المدى القريب والبعيد للمسجد الاقصى.

 

أولاً: التصريحات العلنية لتهويد الأقصى:

لم يخف كبار رجال الدين اليهود وكبار القادة السياسيين في حكومات الاحتلال الصهيوني نواياهم ومخططاتهم لاحتلال وتهويد مدينة القدس والأقصى الشريف، وإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وسوف يتم الاكتفاء هنا بالإشارة المقتطفة للأقوال والتصريحات العلنية لبعض القادة الصهاينة، التي تفضح حقيقة نواياهم العنصرية، ومنها الآتي:

  • في 1 -8 -1929 م أذاع الحاخام اليهودي الأكبر (اسحاق توك) بياناً جاء فيه: “لا يمكن أن تكون هناك صهيونية بدون القدس، ولا القدس بدون الهيكل اليهودي.
  • في 7 -6 -1967 م قال (ابن غوريون) مؤسس الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة: “لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل. وقال يوم احتلال الصهاينة للأقصى:(هذا أعز يوم منذ قدمت إلى إسرائيل، إذ توحدت فيه العاصمة المقدسة القدس).
  • في 18 أكتوبر سنة 1999م وخلال حفل رسمي قام رئيس الوزراء الصهيوني (ايهود باراك) بافتتاح مدرج (بوابات خلدة) قرب الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى والتي تبلغ مساحته (150 متراً مربعاً، وقال في كلمة له: (من هنا سار آباؤنا وعلى هذه المدرجات سارت اليهود -باتجاه ساحة جبل الهيكل الثاني، ونحن اليوم نعيد بناء هذه المدرجات التي كانت مبنية في الحائط الجنوبي للهيكل).

 

ثانياً: الاعتداءات الإرهابية:

لقد مهد المتطرفون اليهود والصهاينة لتحقيق حلمهم الغير مشروع هذا بعدد من الاعتداءات، كان من أبرزها ما يلي:

  • الاستيلاء على حائط البراق والمسجد الأقصى.
  • في سنة 1929 حاول الصهاينة الاستيلاء على حائط البراق فتصدى لهم المصلون في هبة شعبية عارمة عرفت بـ (ثورة البراق) أدت آنذاك إلى قتل (135)، وجرح (360) من المحتلين الصهاينة، واستشهاد (116)، وجرح (240) من المقاومين العرب المسلمين.
  • في سنة 1933م شن الصهاينة هجوماً في محاولة منهم لاحتلال المسجد الأقصى، فهب أبناء القدس العرب العزل للدفاع عن الأقصى ضد هذا الهجوم الصهيوني، فاستشهد منهم (30)، وجرح (200).

وسوف يتم الحديث بشكل تفصيلي عن ثورة البراق، وانتفاضة الأقصى في مقال لاحق.

  • إحراق المسجد الأقصى:

في 21 -8 -1969 قام أحد المتطرفين الصهاينة بارتكاب جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك، ومنبر صلاح الدين الأيوبي، الذي تعرض لأضرار بالغة. وفي محاولة يائسة للتنصل من هذه الجريمة بحق العرب والمسلمين، أعلنت سلطات الاحتلال الصهيوني في ذات يوم الجريمة أن شخصاً مختلاً عقلياً قد أحرق المسجد الأقصى، إلا أن ثمة دلائل تشير إلى أن هذا الإرهابي لم يقم بمفرده بتنفيذ هذه الجريمة، بل أن هناك شخص آخر في الخارج ساعده على ارتكاب جريمته، وأن هذه الجريمة هي جزء من خطة هدم المسجد الأقصى المبارك طبقاً لما جاء في عدد من الدراسات التي أوردت العديد من الأدلة، وأن من الأدلة وفقاً لهذه المصادر هي:

  • قيام الصهاينة في بلدية القدس بقطع الماء عن الحرم الشريف في ذلك اليوم.
  • استغلال المنافذ الموجودة في المسجد الأقصى والتي يقع الأول فيها في مسجد عمر في الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد، والثاني في وسط الجدار الجنوبي في منبر صلاح الدين، والثالث في الشباك الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من المسجد. وإن الواقع يشير إلى أن هذا الشباك يرتفع خمسة عشر متراً فوق أرضية المسجد، حيث يصعب الوصول إليه من الداخل، مما يدل على وجود عمل جماعي في التنفيذ من خلال تقديم مساعدة من الخارج لهذا الإرهابي لتنفيذ اضرام هذا الحريق.

ورغم تمخض هذه الجريمة الشنعاء عن موجة من السخط والغضب الشعبي عربياً وإسلامياً ودولياً، وصدور ردود أفعال رسمية، كان من أبرزها عقد قمة عربية إسلامية طارئة نتج عنها تشكيل منظمة المؤتمر الإسلامي، ورغم أن مجلس الأمن أصدر في 15 -9 -1969م قراراً يحمل الرقم 27 يقضي بإدانة الكيان الصهيوني لاقتحام المسجد الأقصى والاعتداء عليه، وما تضمنه القرار من إشارة إلى الغضب العالمي الذي سببه هذا الاعتداء الصهيوني، إلا أن شيئاً جاداً لم ينجم عن كل ذلك.

  • قتل المصلين

في سنة 1981 م اقتحم جندي صهيوني المسجد الأقصى من باب الخواتمة، وفتح النار على المواطنين العرب الفلسطينيين العزل الذين تواجدوا للصلاة في ساحة الحرم، ما أدى إلى استشهاد اثنين منهم وجرح العشرات.

  • محاولات نسف الاقصى بالمتفجرات

– في ذات السنة 1981 م أحبطت محاولة صهيونية لنسف المسجد

الأقصى بعد ضبط أكثر من 100 كيلو جرام من المتفجرات أُعدت لهذا الغرض.

  • مجزرة الأقصى

– في 8 -10 -1990 قام أعضاء في منظمة جبل الهيكل باقتحام ساحة المسجد الأقصى في محاولة منهم لوضع حجر الأساس للهيكل المزعوم في ساحة المسجد، فتصدى لهم المصلون، وأدت تلك المواجهات الغير متكافئة إلى استشهاد 30 مصلياً وجرح 100 من العرب الفلسطينيين المسلمين العزل وسميت تلك الحادثة بمجزرة الأقصى.

  • المصادرات

– مصادرة باب المغاربة المؤدي للحرم الشريف من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني، وإقامة وحدة عسكرية فيه، وتسهيل الدخول إليه لجميع اليهود لإقامة الصلوات في ساحة الحرم القدسي، حيث أصدرت في 28 يناير سنة 1986م قاضية صلح الكيان الصهيوني قراراً يبيح لليهود الصلاة داخل الحرم القدسي الشريف!

– مصادرة أربعة أحياء عربية في الجهة الغربية المحاذية للمسجد

الأقصى واجلاء سكانها، وهدم عقاراتهم وتوسيع ساحة البراق الذي

يطلقون عليه ساحة المبكى.

 

ثالثاً: الحفريات والأنفاق:

بعد أن تمت الإشارة أعلاه إلى بعض الحقائق الثابتة من تاريخ حرب التهويد التي تشنها العصابات الصهيونية على المسجد الأقصى، سوف يتم الوقوف هنا أمام أهم وأخطر الأنشطة التي كانت ولا زالت تمثل تهديداً خطيراً للمسجد الأقصى، والمتمثلة بالحفريات التي أقدم عليها المتطرفون اليهود والمحتلون الصهاينة، منذ احتلال القدس وحتى الآن، وحاولوا التكتم عليها طويلاً، والتي جرت أسفل الحرم القدسي ووصلت إلى أعماقه، وامتدت إلى المنطقة المحيطة به. وقد تم ذلك تحت مزاعم البحث عن آثار الهيكل المزعوم الذي لم يثبت وجود أي أثر علمي حقيقي له في فلسطين.

لقد كان الهدف الحقيقي من كل ذلك هو هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم محله من خلال عدة أنشطة تمثلت أبرزها بما يلي:

– في سنة 1967م قام الصهاينة ب حفر70 متراً أسفل الحائط الجنوبي خلف المئذنة الغربية للمسجد الأقصى.

– من سنة 1967م إلى سنة 1970م حفر ال صهاينة80 متراً أخرى.

– من سنة 1970م إلى سنة 1973م وصل الحفر إلى أسفل المحكمة الشرعية والابواب الخمسة لساحة الأقصى.

– من سنة 1973م إلى سنة 1975م جرى حفر 80 متراً تحت أروقة المسجد الأقصى السفلية خلف الحائط الجنوبي.

– سنة 1975 م استمرت الحفريات بحجة البحث عن مدافن الملوك تحت المسجد الأقصى.

– سنة 1981م تم فتح نفق تحت المسجد الأقصى.

 

  • ثورة النفق

في 25 سبتمبر سنة 1996م، تم افتتاح نفق الحشو تاليم فاندلعت مواجهات بين المتطرفين اليهود المدعومين من قوات الاحتلال الصهيوني عرفت بثورة النفق، وارتقى فيها85 شهيداً، وجرح 1200 فلسطينياً. علماً بأن النفق يحاذي الجدار الغربي للمسجد الأقصى.

وقد أشرفت الجامعة العبرية وجهات دينية يهودية متطرفة بدعم من وزارة الأديان والبلديات الصهيونية، على الحفريات التي بوشر العمل بها منذ بداية احتلال الصهاينة للقدس سنة 1967م وما زالت مستمرة حتى الآن.

أما أبرز الآثار السلبية لهذه الحفريات فتتمثل في تلك التي تقع في الجهة الجنوبية والغربية الجنوبية من جهة المسجد الأقصى، ومن بينها الحفريات التي سميت فيما بعد بالنفق المشؤوم، والتي تسير في ساحة البراق باتجاه الشمال حتى تصل إلى أسفل المدرسة العمرية بطول حوالي 450 متراً، مارة جميعها أسفل المدارس المملوكية التاريخية مسببة التصدع والتشقق لمعظم عناصر العقارات القائمة في المنطقة بالإضافة إلى الرموز الإسلامية الأخرى التي طالتها الحفريات كالمدرسة التنكوية التي تقع في أول طريق باب السلسلة وتطل على الحرم الشريف من الناحية الغربية، ويعود تاريخ بنائها إلى سنة 1328م على يد الأمير سيف الدين تنكو الناصري في إطار الدولة المملوكية، وهي من أكبر وأجمل مدارس القدس التاريخية التي ساهمت في نشر العلم والمعرفة في تلك الحقبة.

 كما دمرت تلك الحفريات آثاراً وقصوراً أموية هي جزء من الحضارة العربية الإسلامية لا تتقدر بثمن.

يتبع لطفاً ….

 

مشاركة المحتوى
Author: