سلسلة فكر البعث .. رؤية في معاني علاقة ( البعث ) بالأمة

مكتب الثقافة والاعلام القومي / نبيل عبد الله

شهد المجتمع العربي في القرن العشرين، ظهور العديد من التيارات الفكرية، القومية منها والأممية، بشقّيها الشيوعي والإسلامي، وحينما نشأت “حركة البعث العربي” لم تكن في المضمار وحدها، بل كانت هناك حركات قومية أخرى، كانت أقدم منها تأسيساً ، الا ان البعث قد تميّز عنها جميعاً.فبماذا تميّز “البعث” حتى صار كل حديث عن القومية العربية والوحدة والأمة مرتبطاً به بالضرورة ؟!

لعل أهم ما يميز عقيدة “حزب البعث العربي الاشتراكي” هو ذلك الانتماء العضوي الحقيقي للأمة، فهو لم ينشأ تبعاً لحوارات جرت في صالونات سياسية مغلقة ولا أحاديث كتبت على صفحات الجرائد أو قيلت في مناسبات اجتماعية عامة وذهبت أدراج الرياح، بل كان نتاج معايشة يومية و فهمٍ عميقٍ لواقع الأمة سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً ، ونتاج فهمٍ عميقٍ لمعاني ومكانة الثقافات على صعيد حياة الأمة كأمة، لا على صعيد حياة أفرادها فقط.

لقد أنتج الفهم العميق للواقع ، كما قرأه الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ، منطق عقيدة “حزب البعث العربي الاشتراكي” الجدلي العلمي التاريخي الذي لم يكن منطقاً مجرداً ولا مثالياً، بل واقعياً حياً متفاعلاً مع الحياة بكل سلبياتها وإيجابياتها، لذا كانت النظرية البعثية تمثل ثورة الحياة وانتفاضتها على ما سبقها من ركود فعبرت خير تعبير عن “ظفر الحياة على الموت”.

ولأن “البعث” اعتمد في عقيدته أسلوباً علمياً لا خيالياً طوباوياً فقد أدرك مواقع قوة الأمة الكامنة فعمل على جلائها وإظهارها براقة للفرد العربي، ورأى مواقع الخلل فيها، وفي أفرادها، فشخّصها على نحو واقعي وعالجها ورسم الطريق واضحاً امام كل مخلص يسعى لنهضة امته وتحقيق انبعاثها.

ولأنه فكر علمي وعملي لم يقدم نظرية حبيسة أغلفة الكتب ، بل قدّم نظرية قابلة للحياة، لأنها مستمدة منها، معبرة عنها، فاعلة فيها، لذا رأيناه يربط على نحو عضوي، لا جدلي، بين الأهداف الثلاثة، فلن تتحقق وحدة الأمة بلا حرية أقطارها وحرية أفرادها، ولا وحدة للأمة ولا حرية لأبنائها دون عدالة اجتماعية، بتطبيق الاشتراكية، لكنها ليست الاشتراكية الماركسية بل اشتراكية الطريق الخاص المنسجم مع واقع الأمة العربية وقيمها وارثها التاريخي.

و “البعث” هو أول حزب آمن بالوحدة العربية فكراً وعملاً، فجعل تنظيمه على أساس قومي شامل لأنه آمن، منذ البداية، أن “كل نظرة ومعالجة للمشاكل الحيوية لا تنطلق من حقيقة “وحدة الأمة العربية” تكون نظرة خاطئة ومعالجة ضارة”، وبذلك لا وجود لــ “بعث” عراقي وآخر سوري أو سوداني أو لبناني، أو غير ذلك، بل هو بعث عربي واحد يؤمن بـ “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” دون أن يُنكر خصوصيات كل قطرٍ فيها ومشاغل المواطنين فيه.

الوحدة العربية وعقلية التجزئة
إن عقيدة البعث تفهم الوحدة العربية باعتبارها “تخلق العرب خلقاً جديدا” ذلك لانها تشكل كينونة نوعية وكمية جديدة بتوحدها تختلف تماماً عن مجرد تجميع اجزائها.فهي ليست على شاكلة المؤسسات التي تحاول ان تجمع الدول العربية مع الإبقاء على واقعها المجزأ ، مثل “الجامعة العربية” التي لم تنجح حتى الآن في تحقيق الحد الادنى من طموحات ابناء الامة العربية ونزوعهم نحو الوحدة والنهضة والتطور.

ومع أنه كانت ثمة أحزاب وقوى وشخصيات عربية قد نادت، قبل نشوء حزب البعث العربي الاشتراكي وبعده بالوحدة او بالاشتراكية، إلا أن البعث ربط تحقيق كل ذلك بالوحدة لابل اعطاها الاولوية على غيرها من اهدافه الاستراتيجية.ولأنه رأى أن إمكانيات الأمة ليست مجموعاً عددياً لإمكانيات أجزائها المنفصلة ، بل هي في حالة “الوحدة” أكثر في الكم وأغنى في النوع، فقد أدرك أن فهم “الحرية” و “الاشتراكية” وتحقيقهما في حالة التجزئة ( ومن خلال عقلية التجزئة ) يختلف كلياً عن فهمهما وتحقيقهما في إطار الوحدة.

وهذا الفهم العميق لوحدة الأمة العربية وتجاوز عقلية التجزئة أدركته، بشكل تام، القوى المعادية لها، وهي في عدائها للعرب تنطلق من عميق إدراكها لمعاني رسالة أمتهم المستندة إلى تراث حضاري وقيم أخلاقية عالية، لذا نرى أن كل محاولات ضرب الأمة العربية إنما تعمل على ضرب تراثها ودينها وحضارتها وتاريخها وقيمها السامية من جهة ، وتكريس التجزئة لابل الامعان فيها من خلال اشاعة النعرات الطائفية والاثنية والعنصرية والدعوة لخلق كيانات لكل منها.وبهذا المعنى يكون صراع أعداء الأمة، صهاينة وفرساً واستعماريين وامتداداتهم، مع الأمة صراعاً شاملاً، ويكون تصدي الأمة لهؤلاء الأعداء، جميعاً، تصدياً شاملاً ومهمة رسالية لا يقدر عليها إلا المناضلون الرساليون.

على ان مواجهة هذا التحدي القديم الجديد يتطلب احباط هذه المؤامرات التفتيتية ليس برفضها وفضحها فقط، وانما بتعزيز اواصر انتماء كافة ابناء الامة لقضاياها بجميع اطيافهم الدينية والعرقية، وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في النضال نحو الحرية والنهضة والتقدم.

هل الوحدة عمل آليّ
وفي رؤية مستقبلية عميقة وثاقبة أدرك “حزب البعث العربي الاشتراكي ” قبل أكثر من ٧٠ سنة أن وحدة الأمة ليست عملاً آلياً يحدث من تلقاء نفسه نتيجة لظروف الأمة وتطورها، “فالظروف التي تسود في هذا الحقبة الزمنية لا تخدمها، والتطور قد يسير معاكساً لها نحوِ افتعال واقحام تبلورٍ كاذبٍ لمنافع التجزئة، او الامعان في تعميقها، وهو ما يحدث اليوم بالضبط كنتيجة لتصاعد الهجوم الاستعماري باشكاله الجديدة الذي يعتمد استراتيجية تقسيم المقسم.فنشاهد في ظله تنامي الدعوات القطرية الانعزالية، بل تصاعد ضجيج الدعوات التفتيتية الطائفية والعرقية، والتي هي السياسة التي لم يخفها اعداء الامة العربية.فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونشوء ما يسمى ب”النظام الدولي الجديد” اعلنت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الامريكية ” كوندوليزا رايس” ان هذه الاستراتيجية ستكون احد اعمدة ذلك النظام متخفية تحت بعض الشعارات البراقة.

ومن هنا تثبت العقيدة الوحدوية للبعث انها الأصلح للأمة، ليس في السابق فقط وانما في مواجهة تحديات الحاضر وضمان المستقبل.اذ جعل “البعث الوحدة ” فاعلية وخلقاً ومغالبة للتيار، وسباقاً مع الزمن، أي إنها تفكير انقلابي وعمل نضالي”.

ولأن “البعث” ليس فكراً خيالياً طوباوياً ، فقد أدرك أنه في ظل محاولات التشوّيه المتعمَّد الحاصل في شخصية الأمة، وأفرادها، على مدى قرون، يتوجّب الانطلاق في مسيرة الوحدة، لانها ليست قراراً رسمياً يتخذه حكام أقطار عربية وينفذونه فوراً.ومن هنا فانه من الضروري الدعوة الى تفعيل الاستفادة من دروس كل التجارب والمواثيق الوحدوية التي تمت بين اقطار الامة العربية في التاريخ الحديث، وبلورة حلول واستراتيجيات للمراحل القادمة بدلاً من الاستسلام للواقع المرير.فبمثل هذا التحليل والاستفادة من التجارب تتطور الامم وتمضي الى الامام.

“البعث” يتجاوز تضاد الثنائيات
و “البعث” هو أول تنظيم عربي يتجاوز ثنائية القطرية والقومية، فهو يتحرر من ضيق القطرية إلى الفضاء القومي الأرحب.وهو أول عقيدة تتجاوز ثنائية الإيمان والإلحاد، فيعبر عن موقف حاسم لا تردد فيه انه لا يساوي بين الايمان والالحاد بل هو مع الايمان ضد الالحاد.وهو أكبر تنظيم عربي يستوعب تنوع الاديان والطوائف ، فيجمع كل من انتمى إليه في بوتقة واحدة هي المواطنة والانتماء الحي الى الامة العربية والنضال من اجل مصالحها وقضاياها.

والأهم في هذا كله، أي النجاح في تجاوز تضاد الثنائيات، أن “البعث” لم يؤمن بذلك على المستوى الفكري وحسب، بل إنه نقل الوحدة الفكرية إلى ميادين تطبيقها تنظيمياً وسلوكياً، وهذه ميزة لم يتميز بها إلا “حزب البعث العربي الاشتراكي”.

لقد تجاوز “البعث” كل أحاديث الاتجاهات الفكرية الأخرى عن العروبة والإسلام بفهمٍ لا أعمق منه ولا أرقى، وتقدّم على كل التنظيمات السائدة في الأمة، بتشخيصه أن “العروبة جسد روحه الإسلام” وأن “الإسلام ليس ديناً فحسب، بل هوية حضارية انسانية جامعة”.والدين الاسلامي الحنيف هو باعث الحياة وصانع النهضة في تاريخ الامة المجيد.وهكذا حسم الفكر البعثي الأمر، مبكراً وباختياره وليس اضطراراً، حسمه في وحدة عضوية، لا جدلية.

واليوم وفي ظل الهجمات الشنعاء على الفكر القومي الموحِّد ، كثيراً ما يهاجم أعداؤنا “البعث” باعتباره حزباً علمانياً، مع التشويه المتعمّد لفكر “البعث” ولمفهوم علمانيته، له قصد خبيث وهو الربط بين فكر “البعث” والفكر العلماني العالمي بنموذجيه الشرقي و الغربي المجرد من كل القيم الروحية والايمانية.ذلك الفكر الرافض للإيمان والذي لا ينكر الإلحاد لا بل يروج له ،

وفي أحسن الأحوال يسعى للرؤية التي يتساوى فيها الإيمان والإلحاد، وهذا كما قلنا مقصد خبيث ينبغي العمل على فضحه دوما.

فالصحيح هو أن البعث الذي هو مع الايمان ضد الإلحاد يؤمن في نفس الوقت بمدنية الدولة و النظر إلى كل المواطنين باعتبارهم سواسية أمام القانون وأمام فرص الحياة.

الرسالة الخالدة وحتمية التجديد والتطوير
وفكرة “الرسالة” في “البعث” ليست فكرة خيالية هائمة ولا مفهوماً فلسفياً مجرداً، إنها الدور الحضاري للأمة وبالتالي فقد رفض رفضاً قاطعاً العنصرية والاستبداد ، وهو بالضرورة دور انساني يتعدى الحدود الجغرافية للوطن العربي فيحدث تأثيراً عميقاً في الأمم الأخرى.ومن هنا جسّد شعار “البعث” ( أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة ) اقتران الوحدة بالرسالة.فأية رسالة جدية يمكن ان تحققها الأمة لن ترقى لتكون خالدة الا ضمن اطار الوحدة.فمهما سعى اي قطر وقدم وانجز فانه في غياب وحدة الامة سيكون بعيداً عن ان يشكل انجازه رسالة حضارية لها سمة الخلود.

كما ان صفة خلود الرسالة تحتم مرعاة التطور والتفاعل مع روح العصر والاستجابة الى متطلباته ، لذا يحرص البعث دوما ومنذ تأسيسه على التفاعل الحي لمتطلبات الحاضر واستشفاف المستقبل وان ذلك لا يتم الا بالتجدد والتطور وعدم الانغلاق والجمود.

هذه بعض الجوانب ، وليس كلها، مما ميز فكر البعث ونضاله العملي حتى صار كلَّ حديث عن القومية العربية والوحدة والأمة مرتبطاً به بالضرورة، فان تناول كل ما ميز البعث لايمكن حصره في مقال واحد.

وأجدني في ختام هذا التناول الفكري معنياً بالقول، لنفسي وللآخرين : إنني اليوم بعد أكثر من أربعة عقود من الانتماء إلى هذه المدرسة العظيمة، فكراً وتنظيماً ، أجد نفسي أقرب إلى روح البدايات والرواد ، روح “عهد البطولة”، روح أولئك “الذين يُجاهِرون بمبادئهم ويسعون لتطبيق ولو وقف ضدّهم أهل الأرض جميعا، روح أولئك المتسلّحين بالوعي والشجاعة والايمان والصبر والثبات والصلابة على طريق ذات الشوكة، طريق الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

مكتب الثقافة والاعلام القومي
١٥ / ٥ / ٢٠٢٠

مشاركة المحتوى
Author: