عندما يكون الفكر راسخاً مكيناً والنهج رصيناً فالتطبيق يكون ناضجاً ومثمراً..

بسم الله الرحمن الرحيم

(ومِمَّن خَلَقنا أُمَّةٌ يَهدونَ بالحقِّ وبهِ يَعدلون)

                                                                            صدق الله العظيم

في رحيل العالم الكبير  منذر الشاوي رحمه الله

 عندما يكون الفكر راسخاً مكيناً والنهج رصيناً

فالتطبيق يكون ناضجاً ومثمراً..

 

عمل العهد الوطني في ظل ثورة 17تموز المجيدة على بناء الدولة العصرية التي تأخذ بأسباب التقدم والرقي في كافة مناحي الحياة. حيث اعتمد العلم منهجاً والقانون سيادة، والمدنية والحداثة طريقاً في سبيل الانتقال من الأفكار والنظريات الى الحقائق والأفعال. وكان من أولويات الثورة العمل على سيطرة القانون بما يجعل المجتمع ينعم بالاستقرار والسلم الاجتماعي، وبما يحمي المواطنين ويحفظ حقوقهم، لتكون حركة المجتمع منتظمة ومتناسقة تتماشى مع المشروع الوطني والقومي للتنمية النهضوية.  ذلك لأنَّ البيئة التي تفقد العدالة ويكون القانون مغترباً فيها، تتحول الى بركة آسنة تسكنها العبثية والفوضوية وضياع الحقوق.

وقد مثَّل بناء الانسان العراقي، الوسيلة والغاية في آن واحد للوصول الى الأهداف النبيلة التي يسعى اليها حزب البعث العربي الاشتراكي في التقدم والرقي وبناء الدولة الحديثة لتصل الى مصافي الدول المتقدمة في العالم.  لذا

فقد كان من بين اهم مستلزمات بناء الانسان تحقيق العدالة الاجتماعية له في حياته ومعيشته. ولقد اعتمدت الدولة في سعيها لتحقيق مشروعها النهضوي على النخب والكوادر والكفاءات المهنية والادارية والعلمية واتاحت لها الفرص كي تؤدي واجبها في خدمة الشعب والوطن.  فدشَّنت على يد تلك الكفاءات ومنهم العالم الجليل د. منذر الشاوي موضوع مقالنا اليوم، اسلوباً جديداً في القيادة وادارة الدولة مبنيَّاً على أساس احترام المواطن وتلبية حاجاته ومنحه حقوقه التي يكفلها القانون.

وقد كان لقيادة الحزب والثورة فلسفتها الخاصة في قضية القيادة، فهي بالنسبة لها واجب وطني وليس شرف. وعليه فالقائد في الدولة انَّما هو خادمٌ للشعب وليس متفضلاً عليه. وقد تجَسّدت هذه الفلسفة في منهج وسلوك قادة الدولة من أمثال الوزير د. الشاوي الذين كانوا يتولون المسؤولية، فاصبحوا الأساس الذي من خلاله كان المواطن العراقي يعيش في أمان ووئام، ينام رغداً مطمئناً على نفسه وأسرته، لأنَّه يثق بمسؤولية الدولة تجاهه، وتجاه حياته وأمنه ومعيشته.

ومن هنا فقد برز في تاريخ العراق الحديث رجالٌ لهم مواقف كثيرة وصور مشرقة خالدة في ذاكرة العراقيين، ليس بالامكان نسيانها او تجاوزها. فقيمة الانسان الحقيقية تكمن  في عطائه، وفي ما يقدمه للناس من فكر وفعل وابداع يخدمهم في حياتهم اليومية، ويساهم مع عطاء الآخرين في بناء مستقبلهم ومستقبل ابنائهم وبلدهم.

ومن هؤلاء الفقيد الراحل الدكتور منذر الشاوي رحمه الله، الذي انتقل الى جوار بارئه في يوم 24 شباط 2021. فقد كان الدكتور الشاوي يقيس درجة سعادته بمقدار ما يقدمه لشعبه ويبذله في سبيل رفعة وطنه. فترك بصمات واضحة محفورة في صفحات التاريخ ستظل أثراً ساطعاً من آثار عالم لامع في القانون جهد في سبيل ترسيخ العدالة طيلة أكثر من ثلاثة عقود.

كان الدكتور منذر رحمه الله يمتلك فكراً وعقلاً معرفياً رفيع المستوى، وامتزج ذلك مع انتمائه النقيّ للعراق وولائه الصادق لشعبه، فأثمر عن شخصية وطنية مرموقة، أنتجت علماً زاخراً حرص على ان يجد طريقه نحو التطبيق العملي في المؤسسات العراقية.

فقد كان له دور مهم وخطير خلال فترة بناء العراق الجديد، فإضافة الى مسؤوليته عن تنفيذ ومراقبة تطبيق العدالة، ساهم بشكل فاعل في اصلاح القوانين والإضافة اليها بما يتماشى مع المرحلة التاريخية التي شهدت تحقيق نهضة تنموية كبرى. فعندما كان العراق يشن هجوماً كاسحاً على الجهل والتخلف والتأخر، تمكن د. منذر الشاوي من اعداد القوانين الخاصة لتلك المرحلة والتي أعطت دفعة قوية لتلك التحولات الكبرى في حياة العراقيين أنذاك.

 

لقد شمل سجل مساهمات الفقيد الذي نال مرتبة الأستاذية عام ١٩٧٣ وتولى العديد من المناصب الأكاديمية اضافة الى وزارتي العدل والتعليم العالي والبحث العلمي، و ارتقى الى عضوية المجمع العلمي العراقي منذ عام١٩٧9، صعيدين أساسيين هما الأكاديمي والتطبيقي المؤسَّسِي.  فقد تضمَّنت مساهماته الأكاديمية تخريج الآلاف من الكوادر القانونية اضافة الى البحث والتدريس في مقررات القانون الدستوري وفلسفة القانون في جامعات العراق، والمعهد القضائي.

وقد نتج عن هذا العطاء العلمي تراثاً نوعيّاً غزيراً شمل دراسات عديدة  معمقة في مواضيع هامة تخص الدولة منها السلطة والدستور، وتأليف العديد من الكتب منها القانون الدستوري، ونظرية الدستور، والقضاء العادل، وكتابات جامعية، ومذاهب القانون وفلسفة القانون، والمدخل لدراسة القانون الوضعي وغيرها والتي تشكِّل مراجع علمية مهمة في المكتبات العربية .

وقد تناول فيها جوانب متعددة تخص الدستور ودوره في ترسيخ المجتمع والدولة،  شارحاً مجموعة المبادئ و الأحكام و القواعد التي تتعلق بالأسس التي تُبني عليها الدولة الحديثة. وكذلك آليات ووسائل تنظيم الحُكم لتعزيز المعطيات القانونية داخل الدولة، و ترسيخ القوانين، ووضع قواعد لممارسة السلطة من خلال تنظيم العلاقات بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فيما بينها ومع الهيئات التي تشَكِّل الدولة ايضاً.

ولان الظلم والفوضى ينتجان تراخي المواطن وتقاعسه عن أداء المهام الوطنية المأمولة منه في البناء والاعمار، وبالعكس من ذلك فإنه يجد نفسه مندفعاً بكل حماسة لإنجاز ما مطلوب منه حين يشعر بالعدالة وسيادة القانون على الجميع، دونما تجريف أو تسويف للقوانين التي تحكم العلاقة بينه وبين المواطن الآخر، وما بينهما وبين الدولة ومؤسساتها، لذا فقد برز دور وزارة العدل والمؤسسات القضائية في تعزيز نهضة المجتمع واستقراره من خلال إنفاذ القوانين ومراقبة عمل الهيئات القضائية.

فتجسد دور القضاء في التأصيل لمساهمة المواطنين في الحملة النهضوية التقدمية الراقية في ظل ثورة 17 تموز المجيدة.  حيث أصبحت القوانين نافذة بشكل مطلق، وامتلك القضاء العراقي سمعة مشرِّفة بين أبناء المجتمع، مما جعل المواطن يلتجأ اليه في حل جميع المشاكل التي يواجهها في حياته، وتفوَّقَ القانون على التقاليد والأعراف القبلية.

ومن هنا فقد كان من أبرز وأغزر انجازات الراحل د. منذر الشاوي العملية والتطبيقية هي مساهماته في تطوير القوانين ومؤسساتها ذات العلاقة. فمن مأثره الوطنية الكبيرة التي كانت تشكل محوراً رئيسياً للعدالة و قوة وهيبة لمؤسسات الدولة العراقية، ما قام به من رفد القوانين العراقية من خلال اضافة

 الكثير من المواد والفقرات التي تخدم المسائل القانونية في العراق، حيث يرجع اليه الفضل في مراجعة وتعديل قانون(اصلاح النظام القانوني)، والقوانين التي صدرت في ضوئه. ويُعَدّ تأسيس المعهد القضائي العراقي أحد مآثر الدكتور منذر الشاوي رحمه الله، وكذلك مركز البحوث والدراسات القانونية.

وعلى صعيد آخر فقد ساهم بشكل عملي ومؤسَّسي في ترسيخ البنية القانونية لمؤسسات الدولة. فممّا لا شكَّ فيه أنَّ تطور الحياة يستوجب مراجعة القوانين والتعليمات والضوابط المعتمدة بشكل مستمر لضمان تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص لكل المواطنين دون ايّ تمييز عرقي او طائفي او طبقي.  من هنا فقد عمل على أن يُرسَّخ التعليمات والتشريعات القانونية لتحقيق تلك العدالة. فأينما حلَّ الدكتور الشاوي في مؤسسات الدولة ومفاصلها، تظهر بصماته فيها من خلال وضع التعديلات القانونية والتشريعات الجديدة، وتحويل ما هو شائع وعرف عام الى قوانين وتعليمات تنظِّم العمل وتحقق المساواة للجميع.

انَّ مكتب الثقافة والاعلام القومي اذْ يُحيِي السيرة العطرة لفقيد العراق والأمة العربية الكبير، كيما تشكِّل الهاماً ومفخرة تسترشد بها الأجيال القادمة، وتنهل من روائعها، فتعطيهم مثالاً على عمق وغزارة عطاء مَن سبقوهم من شوامخ العراق والأمة ونخبها الأوفياء، فهم المنارة  التي تضئ لهم طريق خدمة الوطن وبناء الدولة وتحقيق نهضة المجتمع. ويؤكد في الوقت ذاته  على أنَّ مواقف وأعمال وانجازات علماء العراق والأمة البررة، من أمثال الدكتور منذر الشاوي رحمه الله لا تنقطع بعد الموت، اذْ أنَّ التاريخ يخلدهم لانجازاتهم العظيمة، وإرثهم الفكري الزاخر المسجل في البحوث والدراسات والمؤلفات، كما هو فقيدنا الراحل، والتي جعلته رائداً من روّاد القانون في العراق فكرياً وميدانياً .

واذ نتحدث عن قامة عربية مخلصة، وكفاءة نوعية قلَّ نظيرها، وعَلَماً مرتفعاً من أعلام رجال العدالة والقانون الأكفِّاء، فإنَّنا ندعو ابناء شعبنا العراقي وامتنا العربية وقياداتها في كل مكان الى احتضان نُخَبها وعلمائها وكفاءاتها والاهتمام

 بهم، فهم ثروتها الحقيقية  التي تعطي دون حساب من غير ان تأخذ، والانتباه الى رعايتهم لما قدَّموه من خدمات جليلة وما زالوا يقدموه لخدمة وطنهم

 ورفعة أمتهم.

 فبمثلهم تعلو الأوطان وتزدهر، وبقدراتهم تنهض الأمة وتواصل مسيرتها نحو تحقيق اهدافها مهما عظمت التحديات.

 

 

 

مكتب الثقافة والاعلام القومي

3/3/2021

مشاركة المحتوى
Author: